حين يصبح المطر خبرًا سيئًا في غزة

الرسالة نت - خاص

 

 

في قطاع غزة، أصبحت متابعة أخبار الطقس من الأولويات اليومية، خوفًا من أن يباغت المطر السكان دون استعداداتٍ غالبًا ما تثبت عدم جدواها.

فمع كل إعلانٍ تصدره نشرات الأرصاد الجوية عن اقتراب منخفضٍ جوي، تتجه أنظار أهالي القطاع إلى شاشات الهواتف ومواقع الطقس بقلقٍ بالغ. هنا، لا يُستقبل خبر المطر بفرحٍ كما في بقاعٍ أخرى من العالم، بل يتحوّل إلى إنذارٍ مبكر بالخطر، ورسالة تدعو إلى الاستعداد للأسوأ.

فعلى عكس المدن التي تنتظر المطر ليغسل شوارعها ويُنعش أراضيها، يترقّب آلاف النازحين في غزة موعد هطوله بقلوبٍ مثقلة بالخوف. فالمطر بالنسبة لهم لا يعني سوى مزيدٍ من المعاناة داخل خيامٍ مهترئة وبقايا منازل متصدّعة، لم تعد قادرة على حمايتهم من برد الشتاء ولا من تسرّب المياه التي ترشَح فوق رؤوسهم.

ومع الحديث عن منخفضٍ ماطر مطلع الأسبوع، بدأ المواطنون سباقًا يوميًا مع الزمن؛ إذ تتفقد العائلات خيامها، وتشد أطراف الأقمشة، وتغطيها بما توفّر من الشوادر، وتضع أوعية بلاستيكية داخل الخيام لالتقاط المياه المتسرّبة، فيما يحاول آخرون سدّ الشقوق في جدران منازل مدمّرة بوسائل بدائية لا تصمد أمام أول زخّة مطر.

تقول إحدى النازحات: “ننتظر نشرات الطقس أكثر مما ننتظر الأخبار السياسية، لأن المطر يعني ليلة بلا نوم، وخوفًا على الأطفال من البرد والغرق”. كلمات تختصر حجم القلق الذي يرافق كل منخفضٍ جوي، في ظل غياب أدنى مقومات الحماية.

وتزداد المعاناة قسوة مع انخفاض درجات الحرارة، حيث يعاني الأطفال من البرد القارس، فيما تقضي الأمهات ليالي طويلة في محاولة تدفئتهم بوسائل بدائية. كما يواجه المرضى وكبار السن خطر تفاقم أمراضهم، في ظل الرطوبة العالية وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية.

أم أحمد (42 عامًا)، نازحة تقيم في خيمة غرب مدينة غزة، تقول إنها تحفظ مواعيد المطر أكثر مما تحفظ مواعيد الطعام. “عندما يقولون إن المطر سيبدأ بعد منتصف الليل، لا ننام. أبقى مستيقظة أراقب الخيمة وأُبعد الأطفال عن أماكن تسرّب الماء”. وتشير أم أحمد إلى أوعية بلاستيكية مصطفّة داخل الخيمة، تُستخدم لالتقاط المياه التي ترشَح من السقف، فيما تبتلّ الفرش والأغطية رغم كل الاحتياطات.

وفي أحد الأحياء المدمّرة، يعيش الحاج محمود (67 عامًا) داخل غرفة بلا سقفٍ كامل، غطاها بقطع من الزينكو والنايلون. ويوضح أن المطر لا يسقط من مكانٍ واحد، بل “ينزل من كل الجهات”. ومع اشتداد الرياح، يخشى الرجل المسن أن ينهار ما تبقّى من الجدران فوقه.

ويضيف: “مع مطلع كل أسبوع نتابع الأخبار لاتخاذ احتياطاتنا في حال وجود منخفضات جوية، وعلى عكس أيام ما قبل الحرب، أصبحنا لا نحب هطول الأمطار بسبب المآسي التي تسببها للمواطنين”.

حتى النوم، أبسط حقوق الإنسان، يتحوّل خلال ليالي المطر إلى معاناة؛ فأصوات الرياح، وتساقط المياه داخل الخيام، والخوف من انهيار ما تبقّى من أسقف المنازل، تحرم العائلات من الراحة، وتُبقيهم في حالة ترقّب دائم حتى ساعات الفجر.

ومع تكرار هذه المشاهد، تحوّل الطقس من ظاهرة طبيعية إلى عبء نفسي وإنساني إضافي، يلاحق السكان ويعمّق شعورهم بعدم الأمان. فالخيام التي نُصبت كحلٍّ مؤقت أصبحت مأوى طويل الأمد، والمطر الذي يُفترض أن يكون نعمة، بات رمزًا جديدًا للهشاشة والعجز.

في غزة، لا يُقاس الشتاء بعدد أيامه ولا بكميات أمطاره، بل بعدد الليالي التي يقضيها الناس وهم يراقبون السماء، خوفًا من أن تتحوّل كل قطرة ماء إلى معاناة جديدة فوق رؤوسهم.