مقال: بين عدّاد البقاء وعدّاد الهرب

بين عدّاد البقاء وعدّاد الهرب
بين عدّاد البقاء وعدّاد الهرب

رشا فرحات

تسجيل أدنى معدل للنمو السكاني في "إسرائيل" منذ قيامها، في سابقة تعكس تحوّلًا ديمغرافيًا عميقًا.

أقرأ هذا الخبر ككاتب فلسطيني يعرف جيدًا أن الأرقام، حين تخرج من صحف الاحتلال نفسها، لا تكون بريئة ولا عابرة.

وحين تقول “يديعوت أحرونوت” إن “إسرائيل” تسجّل أدنى معدل نمو سكاني منذ قيامها، فنحن لا نكون أمام دراسة ديمغرافية، بل أمام اعتراف متأخر بأن المشروع كله بدأ يشيخ أسرع مما خُطِّط له.

0.9%. هكذا ببساطة، تراجع معدل الزيادة السكانية خلال العام الجاري، والذي لم ينخفض يومًا عن 1.5% منذ عام 1950. رقم يبدو صغيرًا على الورق، لكنه في عقل الدولة التي بُنيت على الهوس العددي، أشبه بجرس إنذار.

فهذه ليست سنة سيئة، بل نهاية مرحلة كاملة: انتهاء زمن محاولات النمو الديمغرافي السريع الذي طالما حلمت به دولة الاحتلال من أعلنت عن نفسها واعتبرته أحد أعمدة “نجاحها المزعوم”.

الدراسة الإسرائيلية نفسها لا تحاول التجميل: ارتفاع مستمر في عدد الوفيات، تراجع تدريجي في معدلات الخصوبة، واتساع فجوة الهجرة العكسية.

 ثلاث ضربات متزامنة، تصيب فكرة “الدولة الجاذبة” في صميمها. الدولة التي أرادت أن تكون مقصدًا دائمًا، باتت تعتمد – كما تقول المعطيات – على تحقيق ميزان هجرة إيجابي فقط للحفاظ على نمو لا يتجاوز 1% سنويًا، لكن الواقع يسير بعناد في الاتجاه المعاكس.

الأرقام هنا تقتل أي خطاب سياسي:" عام 2025 وحده شهد عجزًا صافيًا بنحو 37 ألف شخص بين القادمين والمغادرين" 

الهجرة إلى “إسرائيل” تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2013، فيما ترتفع أعداد المغادرين، ليس من الوافدين الجدد فقط، بل من إسرائيليين وُلدوا هناك، أبناء المشروع أنفسهم.

وهنا، كفلسطيني، لا أستطيع تجاهل المفارقة؛ الدولة التي قامت على فكرة أن الفلسطيني خطر ديمغرافي، باتت اليوم تخاف من أرقامها هي.

الدولة التي أنفقت عقودًا في استيراد البشر لتتفوق عددًا، تكتشف أن البشر لا يبقون حيث لا معنى، ولا مستقبل، ولا أخلاق قابلة للدفاع عنها.

هذه هي حرب غزة؛ ورغم أنها لم تكن سبب الأزمة، لكنها كانت المسرّع الأكبر لها. حرب كشفت أمام العالم، وبالأرقام والصور معًا، أن “أرض الميعاد” تحتاج في كل مرة إلى ركام جديد كي تحافظ على روايتها.

 ومع كل مجزرة موثقة، كانت صورة “الدولة الديمقراطية” تتآكل، ومعها شهية الهجرة إليها، والتضامن العالمي كان  لحظة وعي جماعي؛ لم تكن على ما يبدو ضمن حسابات الاحتلال.

ومع كل مظاهرة، ومع كل جامعة تقطع شراكاتها، ومع كل طفل يُنتشل من تحت الأنقاض، كانت فكرة “الملاذ الآمن” تفقد قدرتها على الإقناع. لا عجب إذن أن يتراجع القادمون، وأن يزداد الراحلون.

نحن الفلسطينيين، الذين وُضع وجودنا طويلًا في خانة “المشكلة”، بقينا رغم كل شيء...رغم عدم وجود طائرات تنقلنا من المهجر، ولا حملات تسويق لهويتنا، ولا أساطير جاهزة. بقينا لأن الأرض لم تكن مشروعًا، بل جذورا.

أما المشروع الذي قام على التفوق الديمغرافي، فيكتشف اليوم أن الأرقام لا تُحتل بالقوة، ولا تُقنع بالدعاية، ولا تصمد طويلًا حين تُبنى فوق الظلم.
0.9%  يراها البعض رقما؛ وأراها بداية العدّ التنازلي لفكرة ظنّت يومًا أن الحسابات ستنتصر على الحقيقة.