اقتصاد غزة في 2025: عام الانهيار وخسائر تتجاوز حدود الأرقام

الرسالة نت - خاص

لم يكن عام 2025 عاما اقتصاديا عاديا في قطاع غزة، بل شكل نقطة انهيار تاريخية غير مسبوقة، أنهت ما تبقى من مقومات الاقتصاد المحلي، وحولته من اقتصاد هش يعاني اختناقات مزمنة إلى اقتصاد شبه معدوم الوظائف والإنتاج والدخل.
الأرقام الصادرة عن جهات رسمية وأممية لا تشير إلى أزمة دورية أو ركود عابر، بل إلى تفكك بنيوي شامل طال كل القطاعات الحيوية، وقطع الصلة بين الإنسان والسوق والعمل.
فبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد، تجاوزت معدلات البطالة 77%، وهي نسبة تعكس أكثر من مجرد فقدان فرص العمل؛ إذ تعني عمليا أن غالبية السكان باتوا خارج الدورة الاقتصادية بالكامل.
وترافق ذلك مع انهيار الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 84% مقارنة بعام 2023، في تراجع يعيد اقتصاد غزة عقودا إلى الوراء، ويمحو أي مكاسب تنموية تحققت في فترات سابقة.
هذا الانهيار لم يكن رقما مجردا، بل ترجم إلى شلل شبه كامل في الإنتاج وتآكل القدرة الشرائية وتراجع غير مسبوق في الاستهلاك، في ظل ارتفاع حاد في الأسعار وشح السلع.
ومع استمرار الإغلاق والحصار ومنع المساعدات، بات الاقتصاد الغزي في 2025 نموذجا صارخا لاقتصاد أُفرغ من مضمونه بفعل الحرب والتجويع والتدمير الممنهج.
صورة قاتمة
وتكشف مؤشرات الاقتصاد الكلي في غزة خلال 2025 عن صورة قاتمة، فإلى جانب البطالة القياسية انخفضت نسبة المشاركة في القوى العاملة إلى نحو 38%، ما يعني أن شريحة واسعة من السكان توقفت عن البحث عن عمل أصلا، بعد أن فقد السوق قدرته على توليد أي دخل حقيقي.
هذا التراجع لا يعكس يأس الأفراد فقط، بل يعكس غياب بنية اقتصادية قادرة على الاستيعاب أو التعافي.
وفي الوقت ذاته، تقلصت حصة غزة من التجارة الخارجية إلى أقل من 4%، في ظل قيود مشددة على المعابر ومنع إدخال السلع والمواد الخام.
ومع ارتفاع الأسعار بنسبة 22%، مقابل انخفاض الاستهلاك بنسبة 81%، تشكلت معادلة اقتصادية شديدة الخطورة، تتثمل في دخول شبه معدومة وأسعار مرتفعة وسلع نادرة، ما دفع غالبية الأسر إلى حافة الفقر المدقع وانعدام الأمن الغذائي.
تفكك القطاعات الإنتاجية
ولم يقتصر الانهيار على المؤشرات العامة، بل طال جوهر الاقتصاد نفسه، أي القطاعات الإنتاجية. فقد شهد قطاع الإنشاءات تراجعًا شبه كامل بنسبة 99%، في حين انهارت الصناعة بنسبة 94%، والزراعة بنسبة 92%. هذه الأرقام تعني أن ما دُمّر لم يكن نشاطا اقتصاديا مؤقتا، بل أدوات الإنتاج ذاتها: المصانع والورش والأراضي والموارد.
ووفق معطيات المكتب الإعلامي الحكومي، تضرر أكثر من 80% من الأراضي الزراعية في القطاع، من أصل 178 ألف دونم وتدمير نحو ألف بئر زراعي و500 مزرعة للأبقار والأغنام والدواجن.
كما تراجعت المساحات المزروعة بالخضروات من 93 ألف دونم إلى أربعة آلاف فقط، ودمر 60% من الدفيئات الزراعية، فيما تعرض قطاع الصيد البحري لتدمير كامل بنسبة 100%.
هذا التدمير المنهجي للزراعة والثروة الحيوانية والسمكية حرم غزة من أحد أهم مصادر الأمن الغذائي والدخل، وحوّل الاعتماد على المساعدات من خيار اضطراري إلى واقع دائم.
وتقدّر الخسائر الاقتصادية المباشرة في 15 قطاعا حيويا خلال عام 2025 بأكثر من 33 مليار دولار، وفق تقديرات رسمية.
وتشمل هذه الخسائر البنية التحتية والمساكن والمنشآت الاقتصادية والخدمات الأساسية.
غير أن هذه الأرقام لا تعكس الخسائر غير المباشرة مثل فقدان الدخل المستقبلي وهجرة رأس المال البشري وتآكل الثقة بأي أفق اقتصادي.
وزاد من عمق الأزمة الاقتصادية اعتماد سياسة التجويع ومنع المساعدات، حيث سُجل إغلاق كامل للمعابر لمدة 220 يوما، ومنع دخول أكثر من 132 ألف شاحنة مساعدات ووقود، واستهداف عشرات المطابخ الخيرية ومراكز التوزيع، ما فاقم من الانهيار المعيشي وأثقل كاهل الاقتصاد المنهك.
كلفة الإعمار
في هذا السياق، حذرت وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) من أن إعادة إعمار قطاع غزة ستتطلب أكثر من 70 مليار دولار، وقد تستغرق عدة عقود.
وأكدت الوكالة أن الحرب والقيود المفروضة تسببتا في "انهيار غير مسبوق في الاقتصاد الفلسطيني"، وقوضتا كل ركائز البقاء من الغذاء إلى المأوى والرعاية الصحية.
وأشار تقرير أونكتاد إلى أن غزة انتقلت من حالة تراجع تنموي إلى حالة دمار كامل، وأنه حتى مع تحقيق نمو طفيف ودعم خارجي واسع، فإن استعادة مستويات الرفاه التي كانت قائمة قبل أكتوبر/ تشرين الأول 2023 قد تستغرق عقودا.
ودعت الوكالة إلى خطة إنعاش شاملة، تشمل تخفيف القيود، واستئناف التحويلات المالية، وإطلاق دخل أساسي طارئ شامل لكل فرد في غزة.
وفي المحصلة، لا تعكس خسائر اقتصاد غزة في 2025 أزمة مالية عابرة، بل واقعا لانهيار شامل طال الإنسان والمكان والموارد. اقتصاد بلا إنتاج وبلا عمل وبلا أفق، يرزح تحت ثقل حرب طويلة وسياسات حصار وتجويع ممنهجة.
وفي ظل غياب حلول جذرية، يبقى السؤال مفتوحا: كيف يمكن إعادة بناء اقتصاد دمر من جذوره، في بيئة لا تزال تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الحياة؟

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير