تحليل: تقدّم مصري في مسار التكنوقراط وتعقيدات دولية تؤجّل الإعلان السياسي

متابعة-الرسالة نت

بين خيام النازحين التي يثقلها شتاء غزّة القاسي، ومسارات سياسية تتحرّك ببطء في العواصم المؤثرة، يتشكّل مشهد معقّد يُعيد طرح الأسئلة حول مستقبل القطاع بعد حرب الإبادة.

ففي الوقت الذي تتقدّم فيه القاهرة بخطوات عملية لتثبيت مسار فلسطيني–فلسطيني عبر تشكيل هيئة تكنوقراط، يتعثّر الإعلان السياسي الأمريكي الأوسع، وسط حسابات أمنية وإقليمية لا تزال دون حسم، وبين هذين المسارين، تبقى غزّة معلّقة بين وعود الانتقال إلى مرحلة ثانية، وواقع ميداني لم يغادر دائرة الخطر.

وبحسب مصادر مطلعة، من المقرّر أن تصل الفصائل الفلسطينية إلى القاهرة الثلاثاء المقبل، لبحث تشكيل وإعلان هيئة التكنوقراط المقترحة من الوسيط المصري.

مجلس السلام في غزة مؤجلا

 وتأتي هذه الخطوة في سياق مساعٍ مصرية متواصلة لإيجاد صيغة إدارية انتقالية للقطاع، تُمهّد لانطلاق المرحلة الثانية من الترتيبات السياسية والأمنية، وتُعيد ترتيب المشهد الداخلي الفلسطيني في ظل الفراغ القائم.

يقول الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة :" تُعدّ هيئة التكنوقراط، وفق الرؤية المصرية، مدخلًا عمليًا لتجاوز التعقيدات السياسية المباشرة، عبر إدارة مدنية غير فصائلية، تُعنى بتسيير شؤون الحياة اليومية، وإعادة الإعمار، والتواصل مع الأطراف الإقليمية والدولية"، مضيفا: هذا المسار يعكس إدراك القاهرة لصعوبة انتظار توافقات دولية كاملة، في وقت تتدهور فيه الأوضاع الإنسانية داخل القطاع.

ولفت إلى أنه لا يزال الإعلان الأمريكي المرتبط بما يُعرف بـ"مجلس السلام في غزة" مؤجّلًا، رغم اكتمال القرار من حيث المبدأ. 

ووفق ما نقلته صحيفة معاريف عن مصادر سياسية رفيعة، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أرجأ الإعلان، ليس بسبب تطورات مباشرة في غزة، بل نتيجة انشغال الإدارة الأمريكية بأزمة متصاعدة في فنزويلا، على خلفية خطف الرئيس نيكولاس مادورو، وتشير المصادر إلى أن التأجيل شكلي، وأن الإعلان قد يتم قبل منتصف يناير الجاري.

ويرى الكاتب السياسي عفيفة أن هذا التأجيل، لا يمكن فصله عن التعقيدات البنيوية التي تواجه الخطة الأمريكية في مرحلتها الثانية، موضحا أن "مجلس السلام" يُنظر إليه كواجهة سياسية وإدارية، بينما تكمن المعضلة الحقيقية في البعد الأمني، وتحديدًا في تشكيل قوة استقرار متعددة الجنسيات تُكلّف بالعمل داخل قطاع غزة.

 

ويشير إلى أن التقدير الأمريكي بات أكثر وضوحًا في هذا السياق؛ إذ تشير دوائر القرار في واشنطن إلى أن حركة حماس لن تلقي سلاحها طوعًا، وأن بنيتها التحتية العسكرية، لا سيما تحت الأرض، ما تزال قائمة إلى حد كبير. 

ولفت إلى أن هذه المعطيات تثير مخاوف دولية واسعة، وتدفع العديد من الدول إلى التردّد في إرسال قوات عسكرية إلى ساحة مفتوحة على احتمالات التصعيد والاستنزاف، موضحا أنه عند هذه النقطة تتقاطع الحسابات الأمريكية مع الشروط الإسرائيلية.

و نقلت مصادر سياسية أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أبلغ الرئيس ترامب، خلال لقائهما في منتجع مارالاغو، رفضه القاطع لأي وجود تركي في غزة، وتمسّكه بحق الفيتو الإسرائيلي في تحديد هوية الدول المشاركة في أي قوة استقرار محتملة. 

وهنا يعقب عفيفة بالقول:" يعكس هذا الموقف الإسرائيلي سعيًا واضحًا للتحكّم بالترتيبات الأمنية المستقبلية، بما يضمن استمرار التفوق الميداني وحرية التدخل"، مبينا أنه في ظل هذا المشهد المركّب، تبدو القاهرة الطرف الأكثر اندفاعًا نحو ترجمة التفاهمات إلى خطوات ملموسة، فبينما تختبر واشنطن البدائل الإقليمية والدولية، وتعيد حساباتها الأمنية، تعمل مصر على تثبيت مسار فلسطيني داخلي، يهدف إلى منع الانزلاق نحو فراغ إداري أو فوضى مؤسسية في القطاع.

ويؤكد أن الرهان المصري يقوم على خلق واقع إداري جديد يمكن البناء عليه لاحقًا، بغضّ النظر عن توقيت الإعلان الأمريكي أو شكل القوة الدولية المحتملة، وفي المقابل، تبدو الرؤية الأمريكية عالقة عند سؤال الأمن، ما يجعل أي إعلان سياسي، مهما كان توقيته، منقوصًا دون توافق فعلي على آليات التنفيذ.

وهكذا، تتقدّم الاجتماعات خطوة في القاهرة، ويتأخّر الإعلان خطوة في واشنطن، فيما تبقى غزة عالقة بين إدارة مدنية يُراد لها أن ترى النور، وقوة استقرار لم تجد بعد من يغامر بالهبوط على أرضها، في مشهد يعكس فجوة متزايدة بين الطموحات السياسية وحقائق الميدان.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير