القدس على أعتاب رمضان.. ماذا يعني تعيين أفشالوم بيليد قائداً لشرطة الاحتلال؟

القدس- متابعة خاصة

قبل أسابيع قليلة من حلول شهر رمضان، وفي توقيت يوصف إسرائيلياً بـ"الأكثر حساسية" في مدينة القدس المحتلة، تسلّم أفشالوم بيليد مهامه قائداً لشرطة الاحتلال في القدس، في خطوة أثارت قلقاً واسعاً فلسطينياً وإقليمياً، وفتحت باب التساؤلات حول مستقبل "الوضع القائم" في المسجد الأقصى، في ظل سياسات يقودها وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي لا يُخفي سعيه لتغيير قواعد الاشتباك داخل الحرم القدسي.

ووفق صحيفة هآرتس العبرية، فإن بيليد باشر مهامه رسمياً اليوم الأحد، أي قبل نحو شهر من شهر رمضان، في فترة تشهد عادةً توتراً متصاعداً في القدس، لا سيما في محيط المسجد الأقصى، إلا أن العام الحالي، وفق توصيف الصحيفة، يبدو مختلفاً، في ظل إصرار بن غفير على الدفع باتجاه تصعيد ميداني وسياسي، عبر الشرطة، داخل المدينة المقدسة.

وترى الصحيفة أن تعيين بيليد ليس إجراءً إدارياً عادياً، بل خطوة محسوبة تهدف إلى ضمان قيادة شرطية أكثر انسجاماً مع توجهات بن غفير، خصوصاً بعد أن نجح الأخير، عقب "جهود مضنية"، في إزاحة قائد شرطة القدس السابق أمير أرزاني، الذي عُرف بمعارضته إدخال تغييرات جذرية على ترتيبات المسجد الأقصى، ورفضه الانصياع الكامل لرغبات الوزير المتطرف.

 

من هو أفشالوم بيليد؟

يُعدّ منصب قائد شرطة القدس من أكثر المواقع حساسية داخل المنظومة الأمنية الإسرائيلية، إذ يشمل الإشراف على الاحتجاجات قرب المؤسسات الحكومية ومنزل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والتحكم بحركة المستوطنين داخل الحرم القدسي، إضافة إلى إصدار أوامر الإبعاد عن المسجد الأقصى بحق الفلسطينيين.

أفشالوم بيليد يُصنَّف على أنه من الشخصيات المقرّبة من بن غفير، وقد شغل مناصب متقدمة بدعم مباشر منه؛ إذ عُيّن نائباً لمفوض الشرطة عام 2023، ثم قائماً بأعمال المفوض في عام 2024، قبل أن يتراجع عن الترشح للمنصب بشكل دائم على خلفية ملف تحقيق سابق. ورغم ذلك، واصل بن غفير الدفع به إلى مواقع قيادية حساسة، وصولاً إلى قيادة شرطة القدس.

وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن إقالة أرزاني واستبداله ببيليد أثارت مخاوف داخل المؤسسة الأمنية نفسها، حيث نقلت يديعوت أحرونوت عن ضباط في الشرطة تحذيرهم من أن هذه الخطوة قد تحمل "مخاطر على أمن الدولة"، نظراً لانعكاساتها المحتملة على الوضع في القدس.

 

ماذا يعني "الوضع القائم" في القدس؟

الوضع القائم في المسجد الأقصى هو الترتيب الذي ساد قبل احتلال شرقي القدس عام 1967، ويقضي بأن تكون دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية، الجهة الحصرية المسؤولة عن إدارة شؤون المسجد، مع السماح لغير المسلمين بالزيارة دون أداء طقوس دينية.

غير أن هذا الترتيب تعرّض، على مدى السنوات الماضية، لتآكل تدريجي. فمنذ عام 2003، سمحت سلطات الاحتلال باقتحام المستوطنين للمسجد الأقصى تحت حماية الشرطة، في خطوة ترفضها دائرة الأوقاف الإسلامية، وتعدّها خرقاً للوضع التاريخي والقانوني القائم.

وخلال الفترة الأخيرة، تشير هآرتس إلى تغيّر واضح في طريقة تعامل شرطة الاحتلال مع الانتهاكات داخل الأقصى، تمثّل في تأمين اقتحامات المستوطنين وتسهيل ممارساتهم، بعدما كانت الشرطة تتدخل سابقاً لوقف مثل هذه الأنشطة. وباتت الصلاة بصوت عالٍ، والغناء والرقص، وحتى عقد دروس توراتية داخل الحرم القدسي، تُمارس علناً وتحت حماية الشرطة.

 

رمضان المقبل.. اختبار مبكر

يذكر أن نشطاء ما يُعرف بـ"جماعات الهيكل"، وبينهم زوجة بن غفير، نجحوا مع مرور الوقت في التأثير على سياسات شرطة الاحتلال في القدس، وأسهموا في تقويض الإجراءات المتفق عليها بين إسرائيل والأردن ودائرة الأوقاف الإسلامية.

وبحسب تقديرات إسرائيلية، فإن بن غفير ينظر إلى بيليد باعتباره الضابط القادر على توسيع نطاق اقتحامات المستوطنين للأقصى، وربما الدفع نحو خطوات أخطر، من بينها تكريس التقسيم الزماني للمسجد، وهو ما يُعدّ خطاً أحمر فلسطينياً وإسلامياً.

يضع هذا التعيين القدس أمام اختبار مبكر مع حلول شهر رمضان، الذي يشهد سنوياً تصعيداً في المدينة. إلا أن وجود قيادة شرطية متماهية مع أجندة بن غفير يثير مخاوف من أن يتحول أي احتكاك محدود إلى مواجهة واسعة، في ظل محاولات فرض وقائع جديدة داخل الأقصى.

ورغم زعم سلطات الاحتلال المتكرر أنها "تحترم الوضع القائم"، تؤكد دائرة الأوقاف الإسلامية أن ما يجري على الأرض يناقض هذه الادعاءات، محذّرة من انتهاكات إسرائيلية متواصلة تهدد المكانة الدينية والتاريخية للمسجد الأقصى.

في المحصلة، لا يمكن فصل تعيين أفشالوم بيليد قائداً لشرطة القدس عن المسار السياسي والأيديولوجي الذي يقوده إيتمار بن غفير، فالتغيير في رأس الهرم الأمني للمدينة المقدسة يُنذر بمرحلة أكثر حساسية، قد تشهد تسريعاً لتقويض الوضع القائم في المسجد الأقصى، في وقت تقف فيه القدس على صفيح ساخن، مع اقتراب رمضان، واستمرار الصراع على هوية المكان وسيادته.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير