بعد منتصف الليلة الماضية، لم يكن الهدوء الذي اعتاده أهالي قرية مادما جنوب نابلس سوى لحظات مع بداية الليل البارد. ففي الحارة الشرقية المحاذية للشارع الالتفافي، استيقظ السكان على هجوم واسع نفذته مجموعات من المستوطنين، اقتربوا من المنازل تحت جنح الظلام، وهاجموا السيارات المارة، وبثّوا الخوف في قرية اعتادت أن تدفع ثمن قربها الجغرافي من المستوطنات.
مادما، القرية الصغيرة الواقعة على بعد نحو ستة كيلومترات جنوب نابلس، تحاصرها المستوطنات والطرق الالتفافية من أكثر من جهة. يحدّها الشارع الالتفافي رقم 60، وتجاورها مستوطنة “يتسهار” وبؤر استيطانية عُرفت خلال السنوات الماضية بأنها من أكثر البؤر عنفًا في الضفة الغربية.
هذا الموقع جعل القرية هدفًا دائمًا لاعتداءات المستوطنين، خصوصًا خلال مواسم الزيتون، أو في ساعات الليل، حين تتحول البيوت الآمنة إلى نقاط مكشوفة.
الهجوم الأخير لم يتوقف عند تخويف الأهالي أو الاعتداء على الممتلكات. فحتى المنازل التي لم تصلها أيادي المستوطنين، لم تسلم من الاقتحام. خلال حملة مداهمات ليلية، اقتحمت قوات الاحتلال عددًا من البيوت، وعبثت بمحتوياتها، وخلّفت فوضى ودمارًا يعكس مشهدًا مألوفًا لسكان القرية.
وفي إحدى هذه المداهمات، اعتُقل الشاب قاسم شريف نصار بعد اقتحام منزل عائلته وتخريب محتوياته، ليضاف اسمه إلى قائمة طويلة من شبان القرى الفلسطينية الذين يُنتزعون من بيوتهم في ساعات الفجر.
ما جرى في مادما جزء مما يجري في الضفة الغربية التي تشهد منذ سنوات تصاعدًا ملحوظًا في هجمات المستوطنين، التي تتخذ أشكالًا متعددة، من حرق الأراضي الزراعية وقطع الأشجار، إلى الاعتداء على المنازل والمركبات، وصولًا إلى الهجمات المباشرة على السكان.
قرى جنوب نابلس، ومنها مادما وبورين وعصيرة القبلية، كانت في مقدمة المناطق التي دفعت ثمن هذا التصعيد، بحكم قربها من مستوطنات توصف بأنها الأكثر تطرفًا.
في كل مرة، يحاول الأهالي التمسك بالحياة الطبيعية قدر الإمكان، لكن الواقع يفرض نفسه بقسوة.
أطفال مادما ينامون على أصوات الاقتحامات، ومزارعوها يخرجون إلى أراضيهم وهم يتوقعون الاعتداء في أي لحظة. وبين هجوم المستوطنين ومداهمات جنود الاحتلال، يجد السكان أنفسهم محاصرين بالخوف، في قرية تحولت حياتها اليومية إلى اختبار دائم للصمود.
هكذا تستمر الحكاية في مادما، قرية فلسطينية صغيرة، لكنها تحمل في تفاصيلها صورة أوسع لما يعيشه الفلسطينيون في الضفة الغربية، حيث يتحول الليل إلى مصدر قلق، والبيت إلى ساحة اقتحام، والأرض إلى هدف مفتوح، في ظل واقع لا يبدو أن له نهاية قريبة.