فصل تحت ذريعة العجز المالي: من يحاسب الأونروا على مصير موظفيها الناجين من الإبادة؟

فصل تحت ذريعة العجز المالي: من يحاسب الأونروا على مصير موظفيها الناجين من الإبادة؟
فصل تحت ذريعة العجز المالي: من يحاسب الأونروا على مصير موظفيها الناجين من الإبادة؟

الرسالة نت- متابعة خاصة

لم يغادروا قطاع غزة بحثًا عن رفاهية أو فرصة عمل أفضل، بل خرجوا تحت القصف، بعد أن دُمّرت بيوتهم، وتقطعت بهم سبل الحياة، ووجدوا أنفسهم أمام خيارٍ واحد: النجاة بأرواحهم. 

اليوم، وبعد أشهر من النزوح القسري والعلاج واللجوء المؤقت خارج القطاع، يجد مئات موظفي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أنفسهم أمام ضربة جديدة، تمثلت بإنهاء عقودهم الوظيفية بشكل مفاجئ، في قرار أثار موجة غضب واسعة، وفتح الباب أمام تساؤلات قانونية وأخلاقية حول مصير الوكالة ودورها الإنساني في ذروة الكارثة الفلسطينية.

حاولت "الرسالة نت" الوصول إلى عدد من موظفي (الأونروا) المتواجدين في جمهورية مصر العربية، الذين طالهم الفصل، لكنهم رفضوا الحديث بشكل مباشر، متأملين بإمكانية العدول عن القرار، واعتبر غالبيتهم أن القرار ظالم ومجحف، وقالوا "فكرنا ننجو بعوائلنا وكانت النتيجة التهديد بالفصل".
قرار مفاجئ تحت عنوان الأزمة المالية

وأبلغت وكالة الأونروا موظفيها المتواجدين خارج قطاع غزة بإنهاء عقودهم، فيما جرى وضع آخرين في إجازة استثنائية تصل إلى 12 شهرًا، مبررة القرار بتفاقم أزمتها المالية وعدم قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها، في ظل استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.

وبحسب رسالة رسمية وصلت الموظفين، فقد جرى وضع بعضهم سابقًا في إجازة استثنائية "لمصلحة الوكالة" (EL) اعتبارًا من الأول من مارس/آذار 2025 وحتى 28 فبراير/شباط 2026، استنادًا إلى أنظمة عمل الموظفين. 

غير أن الرسالة ذاتها أوضحت أنه، وبعد مراجعة دقيقة للوضع المالي، قرر المفوض العام للأونروا إنهاء عقود الموظفين الموجودين خارج غزة ممن كانوا على هذه الإجازة، ليصبح القرار نافذًا بشكل فوري.

ووفق الوثيقة الموقعة من القائم بأعمال مدير شؤون الأونروا في مكتب إقليم غزة، سام روز، فإن القرار جاء نتيجة "الأزمة المالية المستمرة" وعجز الوكالة عن توفير الأموال اللازمة لدفع الرواتب وتنفيذ البرامج الأساسية.

600 موظف في التعليم… الأكثر تضررًا

وأفادت مصادر مطلعة أن القرار يشمل ما يقارب 600 موظف، معظمهم من العاملين في قطاع التعليم، ويتواجد غالبيتهم في جمهورية مصر العربية، بعد خروجهم القسري من قطاع غزة خلال الحرب.

 وأوضحت الأونروا في تعميمها الرسمي، الذي حمل رقم المرجع (10216182/T/HR)، أن الموظفين المفصولين سيحصلون على مستحقاتهم وفق اللوائح المعمول بها، بما في ذلك تعويضات نهاية الخدمة وبدل الإشعار وأي منافع أخرى، على أن تُقدَّم لكل موظف تفاصيل التسوية النهائية بشكل منفصل.

وقالت الوكالة في رسالتها إنها بذلت "كل جهد ممكن" لتأمين التمويل اللازم لدعم البرامج الحالية والوفاء برواتب الموظفين، إلا أن الوضع المالي "استمر في التدهور"، ما دفعها إلى اتخاذ "قرارات صعبة".

أزمة مالية غير مسبوقة

ويأتي هذا القرار في سياق أزمة مالية خانقة تعانيها الأونروا منذ أشهر، تقول الوكالة إنها تفاقمت بشكل حاد عقب اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تبعها من ضغوط سياسية ومالية، وتعليق أو تقليص تمويل عدد من الدول المانحة.

وكان المتحدث باسم الأونروا، عدنان أبو حسنة، قد حذر مرارًا من أن الوكالة تواجه عجزًا ماليًا يُقدَّر بمئات ملايين الدولارات. وفي تصريحات سابقة، قال إن الأونروا عانت خلال عام 2025 من عجز يقارب 200 مليون دولار، مرجحًا استمراره حتى الربع الأول من العام الجاري، ما يهدد قدرة الوكالة على دفع رواتب أكثر من 30 ألف موظف فلسطيني في مناطق عملياتها الخمس، وتقديم خدمات التعليم والصحة والإغاثة لنحو 5.9 ملايين لاجئ فلسطيني.

وأشار أبو حسنة إلى أن الوكالة اضطرت للعمل في أكثر من مناسبة "من دون أفق مالي واضح"، مع الاكتفاء بتأمين الرواتب والبرامج الأساسية شهرًا بشهر.
رفض نقابي وغضب حقوقي

في المقابل، عبّر اتحاد الموظفين العرب في الأونروا عن رفضه الشديد لهذه الإجراءات، معتبرًا أنها تمسّ بالأمن الوظيفي لآلاف العاملين، وتحملهم تبعات أزمة سياسية ومالية لا يد لهم فيها. 

وطالب الاتحاد، خلال اعتصام نُظم في 18 ديسمبر الماضي، إدارة الوكالة والأمم المتحدة والدول المانحة بتحمل مسؤولياتها، وتوفير تمويل مستدام يضمن استمرار خدمات الأونروا وحماية حقوق موظفيها، خاصة في ظل الكارثة الإنسانية غير المسبوقة في قطاع غزة.

من جهتها، قالت اللجنة المشتركة للاجئين إنها تنظر "بصدمة وغضب بالغين" إلى قرار فصل 622 موظفًا دفعة واحدة، واصفة القرار بأنه تعسفي وغير إنساني، ويشكل طعنة جديدة للاجئين الفلسطينيين واعتداءً مباشرًا على كرامة الموظف وحقه في العمل والحياة الآمنة.

وأكدت اللجنة أن الموظفين المفصولين لم يغادروا غزة اختيارًا، بل فرّوا قسرًا هربًا من الموت، في ظل القصف والتجويع والمرض، مشيرة إلى أن عددًا كبيرًا منهم مرضى أو مرافقون لمرضى. وأضافت أن إدارة الأونروا، بدلًا من حمايتهم، اختارت معاقبتهم بالفصل، معتبرة النجاة بالحياة “جريمة يُحاسَب عليها الموظف”.

مركز حماية: خرق صارخ للعدالة

بدوره، أدان مركز "حماية" لحقوق الإنسان قرار الأونروا، واعتبره خرقًا صريحًا لأبسط مبادئ العدالة وحقوق العاملين، وانتهاكًا فادحًا لمبدأ الاستقرار الوظيفي والحماية من الفصل التعسفي. وأكد أن تحميل الموظفين تبعات فشل التمويل الدولي أمر غير مبرر، محذرًا من تحويل الأزمة المالية إلى كارثة إنسانية تطال مئات العائلات.

وربط المركز القرار بالسياق الإنساني الكارثي، موضحًا أن الموظفين خرجوا قسرًا من غزة هربًا من الحرب، ليواجهوا الآن قرارًا يزيد من هشاشتهم ويعمق معاناتهم، ويمثل استغلالًا واضحًا لوضعهم الإنساني.

وأشار "حماية" إلى أن تداعيات القرار لا تقتصر على الموظفين، بل تمتد لتطال حق ملايين الأطفال الفلسطينيين في التعليم، إذ يعني فصل هذه الكوادر المتخصصة إضعاف قدرة الأونروا على إعادة بناء العملية التعليمية في غزة بعد الحرب.

وطالب المركز بالتراجع الفوري وغير المشروط عن القرار، وفتح تحقيق مستقل تحت إشراف هيئات أممية، وتحميل إدارة الأونروا والدول المانحة المسؤولية الكاملة عن هذه التداعيات، داعيًا المجتمع الدولي إلى الضغط لوقف ما وصفه بـ"الانحراف الخطير عن المهام الإنسانية للوكالة".

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد المخاوف من أن تتحول الأزمة المالية إلى أداة لمعاقبة الضحايا، في وقت يحتاج فيه اللاجئون الفلسطينيون، أكثر من أي وقت مضى، إلى وكالة تحميهم، لا أن تضيف إلى جراحهم جرحًا جديدًا.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير