حذّر تقرير دولي أعدّته جامعة كامبريدج من خطر جسيم يهدد مستقبل الأطفال في قطاع غزة، يتمثل في ظهور ما وصفه بـ«جيل ضائع»، نتيجة التراكم الكارثي للآثار التعليمية، الجسدية، والنفسية، بعد أكثر من عامين من العدوان الإسرائيلي المتواصل.
وبحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وحتى الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2025، استُشهد 18,069 طالبًا و780 من العاملين في قطاع التعليم، فيما أُصيب 26,391 طالبًا و3,211 معلمًا بجراح متفاوتة.
خسارة خمس سنوات دراسية كاملة
وأشارت الدراسة إلى أن أطفال غزة سيخسرون ما يعادل خمس سنوات تعليمية، بسبب الإغلاق المتكرر للمؤسسات التعليمية منذ عام 2020، بدءًا من جائحة كوفيد-19، وصولًا إلى العدوان الإسرائيلي الذي أدى إلى شلل شبه كامل في العملية التعليمية.
وتكتسب الدراسة أهمية خاصة بسبب تصميمها التحليلي المتقن، إذ توثّق أثر الطوارئ الإنسانية الممتدة على تدهور الصحة النفسية والبدنية للأطفال، وتؤكد أن الوصول إلى التعليم يشكّل أحد أبرز عوامل الحماية النفسية في بيئة النزاع.
التعليم والتغذية علاقة مهددة بالانهيار
ويربط التقرير بين سوء التغذية وتراجع القدرة على الحفاظ على الحد الأدنى من النشاط التعليمي، في ظل انهيار شامل للمنظومتين الصحية والتعليمية في غزة، وهو ما اعتبرته الدراسة نمطًا جديدًا من الحرب يهدف إلى تقويض مستقبل الأطفال الفلسطينيين.
وأكدت جامعة كامبريدج أن التقرير ليس بحثًا أكاديميًا تقليديًا، بل دراسة تحليلية تسلط الضوء على الأثر التراكمي والمدمر لأكثر من عامين من العدوان، بهدف تنبيه صناع القرار والوكالات الدولية والرأي العام إلى حجم الكارثة.
واقع معيشي منهار وتأثيرات نفسية عميقة
ويصف التقرير تدهورًا حادًا في الظروف المعيشية، يتسم باستمرار العنف، ونقص الغذاء، وانهيار الخدمات الأساسية، واضطراب شبه كامل في النظام التعليمي، إلى جانب آثار نفسية واجتماعية عميقة تطال الأطفال.
وتتوافق نتائجه مع الأدبيات الدولية حول تأثير النزاعات المسلحة الطويلة على الطفولة، إلا أن الحالة في غزة وُصفت بأنها غير مسبوقة، من حيث حجم الدمار الواسع للبنية التحتية التعليمية والصحية، وقصف المناطق الحضرية المكتظة، بما يفوق ما شهدته نزاعات حديثة مثل العراق وأفغانستان وسوريا.
محو الذاكرة
وفي ذات السياق، يرى الكاتب السياسي عزات جمال أن الاعتقاد السائد بأن العدوان استهدف البشر والحجر فقط، يغفل جوهر السياسة الإسرائيلية، التي سعت إلى محو الذاكرة، واجتثاث الإنسان، وهدم كل أسباب الحياة، في جريمة حرب مكتملة الأركان لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلًا.
ويؤكد جمال أن التعليم كان هدفًا مباشرًا منذ اليوم الأول للعدوان على غزة، عبر الاستهداف المنهجي لرياض الأطفال، والمدارس، والجامعات، والمرافق الإدارية التعليمية، إضافة إلى استهداف الكفاءات العلمية من معلمين وأكاديميين.
ويطرح تساؤلًا جوهريًا: لماذا هذا الإصرار على ضرب مؤسسات تعليمية ذات طابع مدني وأهلي؟، يرى جمال أن الإجابة تكمن في مكانة التعليم داخل البنية الثقافية الفلسطينية، حيث يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية للهوية والصمود، لا سيما في قطاع غزة، الذي يتميز بنسبة عالية من المتعلمين وحملة الشهادات الجامعية، وتراجع ملحوظ في معدلات الأمية مقارنة بمجتمعات أخرى.
وتابع أن هذه الحقيقة قد تجلت تاريخيًا، خاصة بعد نكبة عام 1948، حين انتشر المعلمون الفلسطينيون في الدول العربية والإسلامية، وأسهموا في بناء أنظمتها التعليمية وتخريج أجيال متعلمة.
تدمير شبه كامل للمنظومة التعليمية
وبحسب تقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة الصادر في آذار/مارس 2025، دمّر الاحتلال الإسرائيلي أو ألحق أضرارًا جسيمة بـ2,308 منشآت تعليمية في غزة، تشمل رياض أطفال، مدارس، وجامعات، ما يعني أن نحو 95% من مرافق التعليم تعرضت للدمار.
كما وثّقت منظمة اليونيسف منع إدخال أي مواد تعليمية إلى القطاع منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، ما أدى إلى حرمان 658 ألف طالب وطالبة من التعليم النظامي، بينهم 87 ألف طالب دراسات عليا فقدوا القدرة على الوصول إلى مقاعدهم الجامعية.
ولم يقتصر الاستهداف على البنية التحتية، بل شمل اغتيال مئات المعلمين والعلماء ورؤساء الجامعات وأصحاب التخصصات النادرة، في سياسة ممنهجة تهدف إلى تجهيل المجتمع وقطع أي إمكانية لإعادة إحياء العملية التعليمية.
تداعيات خطيرة ومستقبل مجهول
ويمكن تلخيص أبرز التداعيات المستمرة لانهيار التعليم في غزة بفقدان البيئة التعليمية الآمنة والمستقرة، وتدمير المدارس وتحويل بعضها إلى مراكز إيواء للنازحين، وانقطاع التعليم لأكثر من عامين، وضياع سنوات دراسية كاملة.
بالإضافة إلى اضطرار آلاف الطلبة للعمل لتأمين احتياجات أسرهم الأساسية، وغياب الكوادر التعليمية المؤهلة نتيجة الاستهداف المباشر.
ويخلص التقرير إلى أن ما يجري في غزة لا يمكن فصله عن سياسة شاملة تهدف إلى «إبادة التعليم» بوصفه مدخلًا لتفريغ المجتمع من عناصر بقائه، وتهيئة الظروف لانعدام الحياة ودفع السكان نحو التهجير القسري.