صافرة البداية بين الغياب الثقيل: كرة القدم تتحدى حرب الإبادة في غزة

صافرة البداية بين الغياب الثقيل: كرة القدم تتحدى حرب الإبادة في غزة
صافرة البداية بين الغياب الثقيل: كرة القدم تتحدى حرب الإبادة في غزة

الرسالة نت

لم تعد كرة القدم في قطاع غزة تُلعب على عشب أخضر أو بين مدرجات مكتملة، بل فوق ما تبقى من أرضٍ أنهكتها الحرب، وفي ملاعب خماسية أُعيد تأهيلها على عجل لتكون بديلاً اضطرارياً عن منشآت رياضية دُمّرت أو خرجت عن الخدمة. هكذا تحاول المنظومة الرياضية في غزة أن تلتقط أنفاسها، وأن تُبقي اللعبة حيّة في بيئة فقدت معظم مقوماتها الأساسية.

بعد عامين من حرب الإبادة، تبدو خريطة الملاعب في القطاع شبه ممزقة؛ مئات المنشآت الرياضية، من ملاعب وأندية وصالات، تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، فيما تحوّلت ملاعب رئيسية كانت تحتضن المنافسات الرسمية إلى ساحات غير صالحة للعب، أو أماكن خالية من أبسط متطلبات السلامة. هذا الواقع دفع اتحاد كرة القدم إلى الاعتماد على أربعة ملاعب خماسية فقط لإقامة البطولة التنشيطية، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النشاط الكروي.

اللعب على ملاعب خماسية لا يعكس مجرد تغيير في شكل المنافسة، بل يختصر حجم الأزمة التي تعيشها البنية التحتية الرياضية. فهذه الملاعب تفتقر في معظمها لغرف تبديل ملائمة، ولأنظمة إنارة كافية، ولمرافق طبية مجهزة، كما أن أرضياتها لا تُصمم لتحمل ضغط المباريات المتتالية لأندية الدرجتين الممتازة والأولى، ما يضاعف مخاطر الإصابات ويؤثر على جاهزية اللاعبين.

وتتجاوز التحديات حدود أرضية الملعب، لتشمل غياب المعدات، ونقص الكرات والأدوات التدريبية، وتضرر الأسوار والمنشآت الملحقة، إضافة إلى انعدام القدرة على صيانة دورية بسبب شح الموارد والحصار المستمر. في هذا المشهد، تتحول كل مباراة إلى مغامرة تنظيمية، وكل تدريب إلى محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستمرارية.

ورغم قسوة الصورة، يصر القائمون على اللعبة على أن استمرار النشاط، ولو في ظروف قاسية، هو شكل من أشكال التمسك بالحياة. فالكرة في غزة لم تعد مجرد رياضة، بل فعل بقاء، ورسالة بأن الدمار لم ينجح في اقتلاع الشغف من قلوب اللاعبين والجماهير.

لكن هذا الإصرار يصطدم بسؤال أكبر: إلى متى يمكن لكرة القدم أن تُلعب فوق الركام؟ فالبطولات التنشيطية قد تُبقي الروح حيّة مؤقتاً، لكنها لا تعوّض غياب بنية تحتية سليمة تشكل العمود الفقري لأي منظومة رياضية. من دون إعادة إعمار حقيقية للملاعب، ودعم فني ومالي يضمن بيئة آمنة وعادلة للمنافسة، ستظل كرة القدم في غزة معلّقة بين الرغبة في الاستمرار وواقع يقيّدها بكل الاتجاهات.

في غزة، لا يُطلق صافرة البداية فقط لبدء مباراة، بل لإعلان تحدٍ جديد: اللعب رغم الركام، والتمسك بالرياضة في مكان حُرم من أبسط حقوقه، لكن لم يتخلَّ عن حلمه.

الغياب الثقيل

ولا تقتصر قسوة المشهد على الركام الذي يغطي الملاعب، بل تمتد إلى الغياب الثقيل الذي سيخيّم على هذه البطولة، حيث ستُقام المباريات من دون عشرات اللاعبين الذين استُشهدوا بفعل القصف، وكانوا قبل الحرب يملكون أحلامًا كروية بسيطة: اللعب، التطور، وارتداء قمصان أنديتهم على ملاعب وطنهم. أسماء كثيرة ستغيب عن كشوفات الفرق، ووجوه شابة لن تعود إلى غرف تبديل الملابس، بعدما خطفت الحرب أعمارهم قبل أن تكتمل خطواتهم الأولى في عالم كرة القدم.

هذا الغياب لا يُقاس بالأرقام فقط، بل بما تركه من فراغ إنساني ورياضي داخل الأندية، التي فقدت لاعبين كانوا يُشكّلون جزءًا من مستقبلها الفني. ففي كل مباراة ستُلعب، سيكون هناك مقعد شاغر في دكة البدلاء، واسم لم يُنَادَ عليه، وحلم توقّف عند صافرة قصف لا صافرة حكم.

وتحمل البطولة، إلى جانب بعدها الرياضي، طابعًا وجدانيًا ثقيلًا؛ إذ تتحول المباريات إلى لحظات استذكار صامتة لرفاق الملاعب الذين لم يمهَلوا الوقت ليكملوا مشوارهم، في مشهد يجعل كرة القدم في غزة ليست فقط لعبة تُلعب فوق الركام، بل ذاكرة مفتوحة لأحلام قُصفت قبل أن ترى النور.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من رياضة