عصفور جديد يرحل متجمّدًا، قبل أن يتعلّم كيف يدفئ كفّيه الصغيرتين، وقبل أن يحفظ ملامح وجه أمّه، أو يميّز صوت أبيه من ضجيج الحرب والريح.
في مساءٍ قاسٍ آخر من ليالي غزة، أسلم الطفل محمد وسام أبو هربيد، ذو الشهرين، الليلة الماضية روحه البريئة للبرد.
لم يكن مريضًا، ولم تهزمه عِلّة خفيّة، بل هزمه الهواء البارد الذي تسلّل إلى جسده الهش، عبر خيمة لا تقي، وجدران لم تعد جدرانًا، وواقعٍ فقد كل مقومات الحياة.
كانت غزة تلك الليلة تصفر فيها الريح كما تفعل منذ بداية هذا الشتاء، كأنها تحبس أنفاسها وهي ترى طفلًا يُغلِق عينيه من شدّة الصقيع. لا مدفأة، لا غطاء يكفي، لا كهرباء، ولا بيت يصدّ الريح. وحده البرد كان حاضرًا بكامل قسوته، يختبر جسدًا لا يحتمل، ويأخذ منه ما لم يأخذه القصف.
محمد لم يعرف معنى الحصار، ولا قرأ أخبار الحرب، ولم يسمع خطابات العالم. كان كل ما يعرفه حضن أمّه، ورائحة الحليب، ودفء كان يفترض أن يكون حقًا بديهيًا لكل طفل. لكن في غزة، حتى الدفء بات ترفًا.
في خيام غزة الآن، يتحول البرد إلى سيفٌ جليديٌّ يخترق قماش الخيام الرفيع، يدفع الهواء البارد إلى الداخل دون رحمة، فتتحوّل الليالي إلى معارك من أجل البقاء. المياه تتسلّل إلى الأرضيات، والهواء الصقيعي يلتصق ببشرة الأطفال الرضع الذين لا يملكون سوى بطانيات رقيقة لا تقيهم حرا ولا بردا.
من داخل هذا الجحيم الشتوي، تحدث مسؤولون ومنظمات عن واقع مأساوي يزداد سوءًا مع كل غيمة تحمل المطر ونسيمًا يحمل الصقيع:
المفوّض العام لوكالة الأونروا، فيليبي لازاريني، أكد أن مئات آلاف الناس في غزة “تأثروا بالشتاء القارس في ظروف صنعها الإنسان بعد حرب طويلة وتشريد واسع”، وأبرز أن الخيام الرقيقة لم تصمد أمام الأمطار والرياح.
إسماعيل الثوابتة، المتحدث باسم المكتب الإعلامي في غزة، وصف الكارثة بأنها “تفاقمت بشكل حاد”، وأن آلاف الخيام غمرت بالمياه أو اقتلعت بسبب العاصفة، بينما نقص المواد الأساسية يجعل الوضع إنسانيًا لا يُحتمل.
الدفاع المدني الفلسطيني وثّق مئات من نداءات الاستغاثة لعائلات تعيش في خيام غمرتها المياه، محذّرًا من أن الرطوبة والبرودة معًا يخلقان بيئة خطرة للأمراض التنفسية خاصة للأطفال والرضع.
والصور من داخل المخيمات تحكي كل شيء: خيامٌ مغمورة بالماء، أرضٌ موحلة تحت أقدام الأطفال، والبرد الذي يلتصق بالملابس الرقيقة كما لو أنه يبحث عن جسدٍ يقفله في قفص من الجليد.
محمد ليس وحده…قبل أيام قريبة، رحلت طفلة متجمدة، رهف أبو جزر، البالغة تسعة أشهر فقط، بسبب البرد الشديد داخل خيمة في خان يونس، في مشهد يعكس نفس الواقع القاسي الذي يعيشه آلاف الأطفال يوميًا.
وهكذا، في خيامٍ لا تقي من البرد، تتحوّل قطرات المطر إلى بردٍ قاتل، وتصبح الليالي الطويلة الحارسة الوحيدة لحكاياتٍ تتوقف قبل أن تُروى، وقلوب أمهاتٍ تغرق في بحر من الحزن لا يفترّ.