لا زالت صرخات ذلك الطفل المرتجف تتردد في سملء غزة الملبدة بالغيوم: "لقد كنا نحب الشتاء… أصبحنا نكرهه".
تعبيرٌ صغير، خرج من فمٍ يرتجف من البرد، لكنه يختصر مشاعر شعبٍ كامل، شعبٍ صار يخاف من الغيوم كما كان يخاف من الطائرات، ويرى في المطر نذير موت لا بشارة حياة.
في غزة، لم يعد الشتاء فصلًا للدفء العائلي ولا للأمطار التي كانت تطرق النوافذ بخفة. صار اختبارًا قاسيًا للبقاء، وسكينًا باردًا يكمّل ما بدأته الحرب؛ حيث حوّلته الخيام إلى كابوس قاتل.
حين هبّ المنخفض الجوي، لم تهتز الأشجار فقط، بل انهارت مبانٍ أنهكها القصف، وسقطت فوق أجساد احتمت بها بحثًا عن أمانٍ مؤقت. خلال ساعات، تحوّل الليل إلى مأتم، واستُخرج شهداء لم تقتلهم قذيفة، بل مطر ورياح وبرد قارس.
ثمانية فلسطينيين رحلوا في يوم واحد. فتاة لم تُكمل الخامسة عشرة، طفل لم يبلغ عامه الأول، وشيوخ لم يحتملوا قسوة البرد داخل خيام لا تقي من شيء.
موتٌ بلا صوت انفجار، لكنه لا يقل فتكًا. خيام اقتلعتها الرياح، وأسرٌ وجدت نفسها في العراء، تلتحف السماء وتفترش الطين، تبحث عن زاوية جافة في مسجد أو مبنى متصدع.
المنخفض الجوي لم يكن استثنائيًا، لكن غزة هي الاستثناء. الاستثناء في الهشاشة، في العراء، في حياةٍ تُدار على حافة الانهيار، حيث لا يُقاس الشتاء بدرجات الحرارة، بل بعدد البطانيات، وبقوة الجدران المتشققة، وبقدرة الأطفال على النجاة حتى الصباح.
الطفل الذي مات من انخفاض حرارة جسده لم يكن يحتاج معجزة، بل دفئًا بسيطًا. والمرأة التي سقط عليها الجدار لم تكن في ساحة حرب، بل في ملجأ لجأت إليه هربًا من الموت.
شركاء القتل في غزة كُثُر، ولكن آخر ما كان في حساباتها أن يصبح البرد شريكًا للاحتلال في القتل، وتتحول العاصفة إلى جريمة، لأن الضحايا تُركوا بلا حماية.
"كنا نحب الشتاء"، قالها الطفل، وكأنها اعتراف أخير بحتمية الموت.