الحاجة عبير نعيم… رحلوا جميعهم وتركوا لها عذاب الذكريات

الحاجة عبير نعيم… رحلوا جميعهم وتركوا لها عذاب الذكريات
الحاجة عبير نعيم… رحلوا جميعهم وتركوا لها عذاب الذكريات

الرسالة نت- خاص

لم تكن الحاجة عبير فضل نعيم، أم فضل، تعلم أن دقيقتين فقط ستفصلان بين بيتٍ عامر بالأصوات والضحكات، وبين صمتٍ ثقيل لا يقطعه سوى أنين الموت. بعد دقيقتين من قصف منزلها في مدينة غزة، كانت الناجية الوحيدة من بين أكثر من أربعين فردًا من أسرتها؛ أبناؤها، أحفادها، زوجات أبنائها، سلفتها، وأقارب لجؤوا إلى بيتها طلبًا للأمان، فكان البيت هو المقبرة.

تحت الركام بدأت حكاية لا تشبه أي نجاة. اثنا عشر يومًا كاملة غرقت فيها الحاجة عبير وسط بحر من الدماء، عاجزة عن الحركة، محاصَرة بجثث أحبّ الناس إلى قلبها وهي تتحلل أمام عينيها.

 رأت الدود يخرج من عيونهم، وشهدت حفيدها يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يشد قدميها، كأنه يستنجد بأمل أخير لم تستطع أن تمنحه. حفيد آخر بقي ساجدًا في مكانه، مات على هيئته. 

أما ابنها، فقد تناثر جسده أشلاء في أرجاء المكان، وهي تنظر، لا تصرخ ولا تبكي، كأن الصدمة جمدت روحها، ولا زال تموت في اليوم مئة مرة.

اجتاح جيش الاحتلال المنطقة، ورأت الجنود بأمّ عينيها. طلبت شربة ماء فقط لتبقى على قيد الحياة، فرفضوا. 

وبينما كان الموت يحاصرها في كل لحظة، رأت وجهًا آخر لغزة. من تحت الركام، شاهدت نبض المقاومة، ورأت مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين أمام عينيها بعد تفجير عبوة خلفهم وهم يتناولون الإفطار. 

حتى هناك، تحت الأنقاض، كانت غزة تقاتل.

اثنا عشر يومًا بلا طعام ولا شراب، سوى حليب أطفال وقليل من القهوة في تيرمس تصادف وجوده. كان ذلك التيرمس شريان حياة، ومعجزة صمود، وسببًا في بقائها حيّة، إلى أن انسحب الجيش ووصل الدفاع المدني وأُخرجت من بين الموتى.

لكن الخروج من تحت الركام لم يكن نهاية العذاب. تقول الحاجة عبير نعيم: «أنا أموت كل يوم مئة مرة. استشهد أبنائي الثلاثة، ووالدهم، وأبناؤهم، وزوجاتهم، واثنا عشر شخصًا من أقاربي. لم يبقَ لي إلا حفيد واحد».

تشير إلى الكراسي الفارغة من حولها، تسميهم واحدًا واحدًا، اسمًا وراء اسم: محمد، زين… أسماء تتحول إلى جراح. تحتضن ملابسهم، تحتفظ بمقتنياتهم، فكل شيء بقي… إلا هم.

شهادة حيّة على وحشية الاحتلال، وعلى قسوة أن تكون الناجي الوحيد من مجزرة. شهادة تقول إن من كتب الله له عمرًا لا تهينه الشدائد، وأن الله بلطفه لا يترك عباده، حتى وإن أحاطهم الموت من كل الجهات.