يقضي أهالي قرية رابا، جنوب جنين، منذ بداية الأسبوع في مواجهة هجمات المستوطنين على أراضيهم الزراعية، حيث تبدأ الحكاية مع كل صباحٍ يخرج فيه المزارع إلى أرضه وهو يعرف مسبقًا أن الطريق قد يُغلق، وأن المستوطن قد يسبقه إلى حقله، وأن الجندي قد يقف بينه وبين شجرة زيتون ورثها عن أبيه.
يظهر المستوطنون مع الفجر، يزرعون أعلامهم حيث كان القمح، ويقفون كأنهم أصحاب المكان. في المقابل، يقف المزارع الفلسطيني أعزل إلا من اسمه المكتوب على سند الأرض، ومن إصرارٍ لا يُقاس بالقوة.
يقول أحد المزارعين وهو يشير إلى سفحٍ مُنع من الوصول إليه:«هذه الأرض لا تعرف غير أقدامنا. زرعناها في الحرب، وفي الحصار، وفي القحط. إن تركناها اليوم، نموت مرتين».
وليس كلامه مجرد شعار، وإنما حقيقة يومية، كمن يشرح سبب تنفسه.
في رابا، الأرض ليست مصدر رزق فقط، بل هوية كاملة.
ويعيش نحو خمسة آلاف فلسطيني في قرية رابا على مساحة تقارب 27 ألف دونم من الأراضي الزراعية والغابات، أرضٌ كانت لعقود مصدر الرزق الأساسي، وذاكرة العائلات، وخارطة الحياة اليومية؛ حيث الزراعة هي العمود الفقري للاقتصاد المحلي، والضمانة الوحيدة للبقاء.
ومنذ عام 2025 وحتى الآن، دخلت القرية مرحلة تصعيد غير مسبوقة. أوامر عسكرية صدرت تباعًا، صادرت بموجبها سلطات الاحتلال مساحات واسعة من الأراضي بحجة «الاستخدامات العسكرية».
أحد أخطر هذه الإجراءات كان الشروع في شق طريق عسكري بطول 12 كيلومترًا، يمر في قلب الأراضي الزراعية، ويقطع أوصال الحقول، ويهدد بعزل أكثر من 2300 دونم عن أصحابها، لتصبح خلف بوابات وأسلاك ومنعٍ دائم من الوصول.
لم يتوقف الأمر عند الطريق. في منطقة جبل المسالمة، أُبلغ الأهالي بنيّة إقامة موقع مراقبة وقاعدة عسكرية جديدة، ضمن خطة توسعية تُضيّق الخناق على حركة المزارعين وتحدّ من قدرتهم على الوصول إلى أراضيهم والعمل فيها. إخطار المصادرة وصل بعبارة واحدة: «لأسباب أمنية»، عبارة تصادر معها ميراث الأجداد.
في مواجهة ذلك، خرج المزارعون من رابا والقرى المجاورة في مسيرات ووقفات احتجاجية دفاعًا عن الأرض. لم تكن احتجاجات سياسية بقدر ما كانت صرخة خبز وكرامة.
ردّ الجيش جاء بالقمع، وقنابل الغاز المسيل للدموع، في الحقول نفسها التي كان يُفترض أن تُزرع قمحًا وزيتونًا.
ومع تضييق الجيش، ظهر وجه آخر للاعتداء: اقتحامات المستوطنين. تقارير محلية وثّقت دخول مستوطنين إلى أراضٍ زراعية في رابا، واعتداءات واستفزازات متكررة، ومحاولات فرض أمر واقع بالقوة.
ما يجري في رابا جزء من سياسة استيطانية شاملة ومسعورة في الضفة الغربية، تقوم على مصادرة الأراضي لصالح طرق التفافية، ومستعمرات، وقواعد عسكرية، رغم أن ملكية الأهالي لهذه الأراضي موثقة بوثائق قديمة، وسجلات رسمية، وخرائط ورثوها جيلًا بعد جيل.