في المرة الأولى التي دخلت فيها إيمان معرفي قطاع غزة، لم تكن تحمل معها سوى حقيبة إسعافات صغيرة وقلبٍ مثقلٍ بالأسئلة. كانت تعرف، نظريًا، ماذا يعني الحصار، وماذا تفعل الحرب بالأجساد، لكنها لم تكن تعرف بعد ماذا تفعل بالأرواح.
إيمان، الممرضة الفرنسية ذات الأصول المغاربية، جاءت من باريس حيث المستشفيات نظيفة والوقت محسوب بالدقائق، إلى مكانٍ يُقاس فيه الوقت بعدد الجرحى على الأرض.
في المستشفى الأوروبي في خان يونس، وقفت لأسبوعين كاملين بين صراخ المصابين، ورائحة الدم، وانقطاع الكهرباء، ونقص كل شيء… حتى المسكنات.
كانت تقول لمن حولها: «الألم هنا لا يشبه أي ألم رأيته من قبل».
أطفال يُبتر لهم طرف بلا مورفين، أمهات ينتظرن دورهن على أرض الممر، وأطباء يعملون بأيدٍ مرتجفة من التعب لا من الخوف.
لم تكن إيمان صحفية، ولم تحمل كاميرا، لكنها عادت محمّلة بشهادات لا يمكن إخفاؤها. تحدثت عن أطفال ينتظرون الموت بصمت، وعن جرحى لا يعرفون إن كانوا سيعيشون لدقيقة أخرى.
شهادتها، حين خرجت إلى العلن، هزّت الرأي العام في فرنسا، وأغضبت كثيرين. لذلك، وبعد عودتها، لم تُستقبل كبطلة. ففي سبتمبر 2024، داهمت الشرطة الفرنسية منزلها. تفتيش، تحقيق، وأسئلة لا علاقة لها بالطب. تم اعتقالها لساعات أمام عائلتها، ثم أُفرج عنها بلا تهمة واضحة. كان واضحًا أن “جريمتها” الوحيدة أنها رأت غزة، وتكلمت عمّا رأت.
قررت إيمان أن تعود إلى قطاع غزة مرةً أخرى. أعادت تجهيز نفسها، وقدّمت كل الأوراق المطلوبة، وانتظرت تصريح الدخول الذي تمنحه سلطات الاحتلال. أيام طويلة من الانتظار، ورسائل صامتة، وترقّبٍ ثقيل.
ثم وصلت قائمة الأسماء المسموح لها بالدخول… قرأتها سطرًا سطرًا، مرة واثنتين وثلاثًا، ولم تجد اسمها.
هكذا فقط، دون ورقة رفض رسمية، ودون اتصال أو تفسير، لأن السبب – ببساطة – أن (إسرائيل) لا تعرف معنى الإنسانية، فتم رفض دخولها إلى القطاع.
قالت يومها إن المنع كان قاسيًا، لأن هناك جرحى تعرف وجوههم، وأطفالًا تركتهم خلفها، كانوا ينتظرون عودتها. لكنها، رغم ذلك، لم تنكسر. رفعت رأسها وقالت بوضوح:«لن أيأس… سأحاول مرة أخرى، وأخرى، وأخرى».
إيمان معرفي لم تحمل سلاحًا، ولم تنتمِ إلى فصيل، ولم تطلب شهرة. كانت شاهدة. و(إسرائيل)تعرف أن شهادة الشهود، في زمن الحروب، أخطر من الرصاص.