في ظل القصف الذي لم يتوقف رغم قرار وقف إطلاق النار، وفي لحظاتٍ يكاد أن يكون الصوت الوحيد الذي يبقى هو دوي الانفجارات، كانت هناك أصوات أخرى تتردد في أزقة غزة: أصوات أطفالٍ وكبارٍ يرددون آياتٍ من القرآن الكريم بصوتٍ مرتجفٍ، لكنه مملوء بالإيمان.
في زمنٍ تُمزّق فيه البيوت وتُدفن فيه الأحلام، ظل القرآن هو الحصن الأخير الذي يلتصق به الناس، ويعودون إليه حين لا يبقى شيء آخر.
في ذلك المشهد الإنساني المؤلم، خرجت دار الإتقان لتحفيظ القرآن الكريم شمال غزة، بحفل تخريج 777 حافظًا وحافظة لكتاب الله، في إنجاز لم يُكتب على ورقٍ عادي، بل كُتب بدماءٍ وصبر، وبقلبٍ يرفض الاستسلام.
وعن ذلك يقول مدير دار الإتقان، أحمد موسى: "إن رقم 777 ليس مجرد رقم، بل هو 777 يومًا من العمل تحت النار، فقدت خلالها الدار عددًا كبيرًا من المحفظين والشهداء الذين حملوا رسالة القرآن إلى الأجيال. ورغم ذلك، استمروا في المسير، لأنهم آمنوا أن القرآن هو الحياة نفسها، وأن الحفظ هو مقاومة."
يضيف موسى أن الاحتلال حاول إيقاف هذه المسيرة عبر القصف والتهجير والاستهداف، لكن الأطفال والشباب وحتى كبار السن تمسكوا بحلقات التحفيظ، ورفضوا أن تُسرق منهم حروف القرآن.
وهذا الحفل، حسب قوله، هو دليل واضح على أن الروح الفلسطينية لا تنكسر.
ومن بين قصص الصمود التي تضيء الحفل، كانت قصة إحدى المحفظات التي قالت إنها حفظت القرآن الكريم في عمر 46 عامًا، ثم عملت محفظة في الدار وهي في 55 عامًا. لقد كان القرآن بالنسبة لها طريقًا للتغلب على الأمية، ومداواة للجراح، ومواجهة للابتلاءات التي مرت بها.
أما الطالبة إيمان الجزار، فكانت قصتها أكثر ألمًا وأملًا معًا. فقدت والدها وإخوتها وعائلتها كاملة، كما فقدت بصرها في قصف استهدف منزلهم. ومع ذلك، لم تتوقف عن الحفظ، بل أكملت القرآن، وقالت: "رغم وجود شظايا في جسدي وصعوبة المشي، عندما أقرأ ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ أشعر بالطمأنينة والرضا".
هذا الحفل لم يكن مجرد تخريج، بل كان إعلانًا أن نور القرآن لا ينطفئ، وأن غزة، رغم الحصار والقصف، ما زالت تلد حفظةً للقرآن، يرتلون آياته بصوتٍ أعلى من صوت الرصاص.