استهداف الأونروا شرق القدس: تصعيد (إسرائيلي) يضرب الحصانة الأممية

الرسالة نت - خاص

في تصعيد خطير وغير مسبوق، شرعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بهدم أجزاء من مقرات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في شرق القدس المحتلة، في خطوة اعتبرتها جهات حقوقية وأممية استهدافًا مباشرًا لمنظومة الأمم المتحدة، وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وجزءًا من سياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى إنهاء عمل الوكالة وشطب قضية اللاجئين الفلسطينيين، وفرض وقائع سياسية وديموغرافية جديدة في المدينة المقدسة.
تصعيد متدرج
صباح الثلاثاء شرعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، في هدم أجزاء من مجمع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في حي الشيخ جراح شرق القدس المحتلة، في خطوة وُصفت بأنها الأخطر منذ بدء التصعيد ضد الوكالة الأممية. واقتحمت قوة (إسرائيلية) كبيرة، ترافقها جرافات وآليات تابعة لما يسمى بدائرة أراضي إسرائيل، مقر الوكالة، وأقدمت على هدم منشآت ومكاتب متنقلة داخله، وإنزال علم الأمم المتحدة ورفع العلم (الإسرائيلي) مكانه، وذلك بحضور وإشراف وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي وصف العملية بأنها “يوم تاريخي”.
ويأتي هذا الهدم ضمن مسار تصعيدي متدرج استهدف مرافق الأونروا في شرق القدس خلال الأسابيع الماضية، حيث سبقه اقتحام مركز صحي تابع للوكالة وإغلاقه بقرار عسكري لمدة 30 يومًا، إضافة إلى قطع أو التهديد بقطع إمدادات المياه والكهرباء عن منشآت الوكالة، بما فيها المرافق الصحية والتعليمية.
كما سُجلت اعتداءات سابقة شملت اقتحام مقر الأونروا في ديسمبر/كانون الأول 2025، ومصادرة معدات وأثاث، ورفع العلم (الإسرائيلي) داخله، فضلًا عن هجمات نفذها مستوطنون في مايو/أيار 2024 شملت إحراق أجزاء من المقر، ما اضطر الوكالة حينها إلى إغلاقه مؤقتًا.
خلفية تشريعية وسياسية
ويرتبط هذا التصعيد بشكل مباشر بتشريعات أقرها الكنيست الإسرائيلي في أكتوبر/تشرين الأول 2024، صادق بموجبها على قانونين يحظران عمل الأونروا ويمنعان أي تواصل رسمي معها، قبل أن يُستكمل المسار التشريعي نهاية ديسمبر/كانون الأول 2024 بقانون يقضي بقطع خدمات المياه والكهرباء عن العقارات التي تشغلها الوكالة. ودخلت هذه القوانين حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2025، لتشكل الغطاء القانوني (الإسرائيلي) لإجراءات الإغلاق والهدم.
شيطنة الأونروا
وفي السياق قال الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر إن استهداف وإغلاق مقرات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس المحتلة يأتي في سياق عملية ممنهجة وطويلة الأمد لـ«شيطنة الأونروا» من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وهي سياسة امتدت لسنوات، وبلغت ذروتها مع إقرار الكنيست (الإسرائيلي) في نهاية عام 2024 قانونًا يقضي بإنهاء عمل الوكالة، وبدء تطبيقه فعليًا في يناير/كانون الثاني 2025.
وأوضح أبو قمر أن قرار إنهاء عمل الأونروا في الأراضي الفلسطينية لا يمكن فصله عن سلسلة متواصلة من حملات التحريض والاستهداف، التي هدفت أساسًا إلى تقويض دور الوكالة تمهيدًا لإنهائها بالكامل، باعتبار أن شطب الأونروا يشكّل مدخلًا مباشرًا لشطب قضية اللاجئين الفلسطينيين، وإنهاء صفة “اللاجئ”، وبالتالي ضرب حق العودة المرتبط بها، في تجاوز صريح للقرارات الدولية ذات الصلة.
وأضاف أن ما يجري ينسجم تمامًا مع توجهات حكومة الإحتلال اليمينية المتطرفة، التي تعمل على تقويض عمل الأونروا بشكل كامل، والتعامل مع قضية اللاجئين باعتبارها “ملفًا من الماضي”، دون أي اعتبار للشرعية الدولية أو للقرارات الأممية التي كفلت حقوق اللاجئين الفلسطينيين منذ النكبة.
وأشار أبو قمر إلى أن استهداف الأونروا بلغ مرحلة استهداف الرموز والمؤسسات الأممية ذاتها، لا سيما في القدس، حيث بدأت الإجراءات بقطع الكهرباء والمياه عن مقرات الوكالة، ثم امتدت إلى هدمها، وصولًا إلى مخططات لإقامة مستوطنات على أنقاض هذه المقرات، في محاولة واضحة لطمس أي معلم أو أثر يدل على وجود الأونروا في المدينة المقدسة.
ولفت إلى أن ظهور وزير الأمن القومي بن غفير ضمن المشرفين على عمليات الهدم في القدس يفضح حجم الأطماع الحكومية في طمس المعالم والمؤسسات العامة ذات الطابع الأممي، ويؤكد أن ما يجري ليس إجراءً إداريًا عابرًا، بل سياسة مدروسة تهدف إلى تغيير الواقع السياسي والقانوني للمدينة.
وشدد أبو قمر على أن الأونروا هيئة أممية، وأن مسؤولية حمايتها تقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره، ولا سيما الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، لحماية القرار الأممي الذي كفل استمرار عمل الوكالة منذ ما بعد نكبة عام 1948 وحتى اليوم. غير أن الضغط (الإسرائيلي) المتواصل، المدعوم بتأييد أمريكي واضح، بما في ذلك انسحاب الولايات المتحدة من عدد من المنظمات الدولية، يعكس استخدام القوة كأداة لتجفيف منابع المؤسسات الأممية وتقويض دورها.
واعتبر إن الصمت الدولي، ولا سيما من قبل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والمجموعة العربية، إزاء ما تتعرض له الأونروا، يثير علامات استفهام كبيرة، ويعكس حالة من التماهي غير المبرر مع مشروع تصفية المؤسسات الأممية، وعلى رأسها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية
تنديد حقوقي
وحذرت منظمات حقوقية من أن هدم مقر الأونروا يهدف إلى تهيئة الموقع لصالح مشاريع استيطانية، مشيرة إلى وجود مخططات لبناء نحو 1440 وحدة استيطانية على أرض المقر، قرب مستوطنة “جفعات همفتر”، في خطوة تعزز الضمّ الفعلي لشرقي القدس 
المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أكد أن هدم منشآت الأونروا يشكّل انتهاكًا جسيمًا لالتزامات (إسرائيل) كقوة احتلال، ويعكس سياسة ممنهجة لتقويض عمل الأمم المتحدة ووكالاتها. واعتبر أن تحويل الأونروا من هيئة أممية محمية إلى “خصم” يُسحب عنه الغطاء القانوني، يمثل اختبارًا خطيرًا لحدود الردع الدولي ومبدأ الحصانة الأممية.
وأشار المرصد إلى أن استهداف مقر الوكالة في القدس يحمل دلالات سيادية خطيرة، تهدف إلى تثبيت الضمّ وتقليص أي حضور أممي يذكّر بوضع المدينة كأرض محتلة، وبقضية اللاجئين وحقوقهم.
بدوره، قال المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إن اقتحام المقر وهدم منشآته ورفع العلم (الإسرائيلي) مكان العلم الأممي يشكل انتهاكًا صارخًا لاتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946، ويؤكد أن ما جرى سياسة دولة تتحمل (إسرائيل) مسؤوليتها القانونية الكاملة.
وأوضح المركز أن هذه الاعتداءات تتناقض بشكل مباشر مع الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في أكتوبر/تشرين الأول 2025، والذي شدد على التزام (إسرائيل) بتسهيل عمل الأمم المتحدة واحترام مقارها وموظفيها في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس 
المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني أكد أن الوجود الإسرائيلي في القدس الشرقية غير قانوني، وأن الحكومة الإسرائيلية لا تملك أي حقوق قانونية على عقارات الوكالة، واصفًا الهدم بأنه تحدٍّ علني ومتعمّد للقانون الدولي.
وفي السياق ذاته، أدانت وزارة الخارجية الفنلندية هدم مقر الأونروا، واعتبرته خطوة غير مقبولة، داعية إسرائيل إلى احترام القانون الدولي وضمان حرمة مباني الأمم المتحدة، والسماح للوكالة بمواصلة عملها الإنساني دون عوائق.
ويحذر مراقبون من أن استهداف الأونروا في القدس الشرقية لا يقتصر على أبعاد ميدانية أو قانونية، بل يشكل جزءًا من مشروع أوسع لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، وتقويض دور المؤسسات الأممية، في ظل صمت دولي يثير تساؤلات جدية حول مستقبل الحماية الدولية وشرعية القرارات الأممية.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير