وُلد في يوم… ورحل في اليوم نفسه

الرسالة نت


أصبح البكاء هو الملاذ الأخير. تبكي والدة الطفل محمد البسيوني بلا حيلة، وهي تضم بطانية فارغة في خيمتها المهترئة، وتقول بصوتٍ مكسور: “اليوم عيد ميلاده”. كان ذلك في الثالث عشر من يناير/كانون الثاني. اليوم نفسه الذي وُلد فيه محمد عام 2025، هو ذاته اليوم الذي توفي فيه بعد عام واحد فقط، في الثالث عشر من يناير/كانون الثاني 2026.

محمد لم يمت بقصفٍ مباشر، ولم يُنتشل من تحت الأنقاض. محمد قتله البرد.

تقول والدته: “لماذا أفقد ابني بهذه السهولة؟ من برد الشتاء؟ لقد قتله البرد في الخيمة”. تحاول أن تشرح، وكأنها ما زالت تبرر لنفسها: “حاولت أن أدفئه بكل ما استطعت، لففته بالكثير من البطانيات، لكن جسده الصغير لم يتحمل هذا البرد. لا يمكن لجسد طفل أن يدفأ داخل خيمة عارية”.

الخيمة التي تعيش فيها العائلة لم تكن قادرة على صدّ الرياح ولا الأمطار. تسربت المياه إلى الداخل، وازدادت البرودة قسوة، فيما كانت الأم تحاول عبثًا أن تنقذ طفلها . “كنت أضمه إلى صدري طوال الليل، لكن الشتاء كان أقوى مني”.

لم تكن معاناة محمد وليدة أيامه الأخيرة. منذ لحظة ولادته، عاش الطفل رحلة ألم طويلة. ظروف الحمل كانت صعبة، والولادة أكثر قسوة في ظل التهجير والخوف والإبادة. “كنت أركض به بين المستشفيات، أبحث عن علاج، عن دواء، عن أمل”. تقول الأم إن طفلها تعذّب منذ ولادته حتى وفاته، وإنها تعذبت معه عامًا كاملًا.

“لماذا كان عليّ أن أربي ابني في خيمة لعام كامل، ثم أفقده لأني لا أستطيع أن أنشر الدفء في جسده؟”.

 هذا الشتاء القاسي،  جاء فوق حرب وحصار ونزوح، قتل كثيرين ممن تدفقت الأمطار إلى  خيامهم وذُبحت طفولة أطفال كثيرين بصمت. أطفال لم تتح لهم فرصة الحياة، وماتوا لأن الدفء كان حلمًا بعيد المنال.

في الثالث عشر من يناير، لم تُطفأ شمعة عيد ميلاد محمد… بل انطفأ هو.

فبرد هذا الشتاء لم يكتفِ بتمزيق الخيام، بل امتدّ إلى أجساد الأطفال الصغيرة. 

ووفق معطيات رسمية وتقارير حقوقية، توفي ما لا يقل عن 24 شخصًا في قطاع غزة هذا الشتاء بسبب البرد القارس وانعدام المأوى، كان من بينهم 21 طفلًا، معظمهم رُضّع أو أطفال عاشوا في خيام مهترئة أو في العراء، بلا وسائل تدفئة، وبلا جدران تحميهم من الرياح والأمطار. 

وتشير وزارة الصحة إلى أن نحو 10 أطفال قضوا خلال أسابيع الشتاء الأخيرة وحدها نتيجة انخفاض حرارة أجسادهم أثناء النوم، بعدما عجزت البطانيات القليلة عن صدّ قسوة البرد.

هذه الأرقام لا تُحصي الألم، بل تشير إليه فقط. خلف كل رقم أمّ تشبه والدة محمد، سهرت ليلًا وهي تضم طفلها إلى صدرها، تحاول أن تنقل له دفء جسدها، وتستيقظ فجأة لتكتشف أن البرد كان أسرع منها. أطفال رحلوا بصمت، دون قصف، دون صافرات إنذار، فقط لأن الشتاء دخل خيامهم بلا استئذان.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من قصص صحفية