تشير التحولات الجارية في السياسة الإقليمية للمملكة العربية السعودية إلى إعادة صياغة عميقة لأولوياتها الاستراتيجية، في لحظة تتسم باضطراب واسع في بنية التحالفات الشرق أوسطية عقب حرب غزة وتداعياتها.
هذا التحول لا يبدو محصورًا في تعديل تكتيكي في الخطاب السياسي، بل يتجلى في إعادة تموضع فعلي داخل شبكة العلاقات الإقليمية، بما يفرض على الولايات المتحدة مراجعة رهاناتها التقليدية، وعلى رأسها الرهان على إدخال الرياض في مسار التطبيع مع (إسرائيل) باعتباره حجر الزاوية في هندسة نظام إقليمي جديد.
قلق (إسرائيلي)
قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بدا التطبيع السعودي الإسرائيلي قريبًا من التحقق، في ظل زيارات غير مسبوقة لمسؤولين (إسرائيليين) إلى المملكة، وضغوط أميركية مكثفة قادتها إدارة الرئيس السابق جو بايدن لدفع الطرفين نحو اتفاق تاريخي. غير أن الحرب على غزة شكلت نقطة انعطاف حادة، إذ تبنت الرياض خطابًا أكثر تشددًا، وربطت أي تطبيع بإقامة دولة فلسطينية واحترام القانون الدولي.
هذا الموقف جعل التطبيع ينتقل من خانة المشروع الاستراتيجي إلى خانة الملف المؤجل، في وقت راحت فيه القيادة (الإسرائيلية) تعبّر علنًا عن قلقها من هذا التحول.
في هذا السياق، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ردًا على سؤال لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، إن (إسرائيل) تتوقع من أي طرف يسعى إلى التطبيع أو السلام معها ألّا يشارك في جهود تقودها قوى أو أيديولوجيات تعمل بعكس مسار السلام، معتبرًا أن أي تحالف مع جهات تراها (إسرائيل) معادية يثير تساؤلات جدية حول صدقية هذا المسار.
وأضاف أن إسرائيل لا يمكنها القبول بشراكات إقليمية ترفض شرعيتها أو تغذي قوى تهاجمها، في إشارة واضحة إلى التقارب السعودي مع تركيا وقطر.
ويعكس هذا الموقف (الإسرائيلي) إدراكًا متزايدًا بأن الرياض لم تعد تنظر إلى التطبيع بوصفه أولوية مستقلة، بل باتت تدرجه ضمن معادلة أوسع تتعلق بإعادة رسم توازنات المنطقة.
ويؤكد هذا الاتجاه ما نقله مايكل ماكوفسكي، رئيس ومدير عام المعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي، حين قال لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل» إن هناك تحولًا سعوديًا واضحًا، سواء في الخطاب الإعلامي الذي بات أكثر حدة تجاه (إسرائيل)، أو في السياسات الإقليمية التي تتجه إلى بناء شراكات بديلة.
تحول واسع
من جهتها، ربطت صحيفة «جيروزاليم بوست» هذا التحول بحوادث ميدانية اعتبرتها مؤشرات استراتيجية، من بينها الضربة الجوية السعودية التي استهدفت شحنة معدات عسكرية إماراتية في مدينة المكلا اليمنية.
وفي تحليل نشره إفرايم سنيه، القائد السابق في جيش الاحتلال (الإسرائيلي) ونائب وزير الحرب الأسبق، اعتبر أن هذه الضربة لا يمكن قراءتها بوصفها حادثًا عرضيًا في سياق الحرب اليمنية، بل هي تعبير عن تحول أوسع في التموضع السعودي قد يؤدي إلى اختلال خطير في توازنات المنطقة.
ووفق سنيه، فإن العائلة المالكة السعودية اتخذت قرارًا بالابتعاد عن ما يُعرف بمعسكر «الاعتدال العربي» الذي يضم الإمارات ومصر والأردن، مقابل الاقتراب من محور تركيا وقطر المرتبط سياسيًا بحركات إسلامية، وهو ما ترى فيه (إسرائيل) خطرًا استراتيجيًا متصاعدًا.
وتذهب «جيروزاليم بوست» إلى أن هذا التحول، إذا ترسخ، سيضعف اتفاقيات أبراهام، ويجعل الإمارات في وضع إقليمي أكثر عزلة، كما يعزز نفوذ محور تركيا–قطر الذي خرج سياسيًا من حرب غزة في موقع أقوى مما كان عليه قبلها.
وتحذر الصحيفة من سيناريو تعتبره بالغ الخطورة، يتمثل في احتمال ظهور وجود بحري تركي قبالة سواحل غزة في إطار ترتيبات أمنية دولية مستقبلية، مستندة إلى التجربة التركية في تثبيت وجود عسكري في المناطق التي سبقتها مشاريع بنى تحتية وإنشائية.
حماية المصالح
في مقابل هذه القراءة (الإسرائيلية)، تقدم مراكز بحثية عربية وتركية تفسيرًا مغايرًا لطبيعة التقارب السعودي التركي. فقد رأى مركز أمد للدراسات السياسية أن الحديث عن نواة «ناتو إسلامي» أو محور معادٍ للإمارات و(إسرائيل) ينطوي على مبالغة، موضحًا أن أنقرة أعادت منذ سنوات صياغة سياستها الإقليمية بعد دروس قاسية من مرحلة ما بعد الربيع العربي، وباتت تميل إلى دعم استقرار الدول المركزية بدل الرهان على تفككها.
ووفق تقدير الموقف الذي أعده المركز، فإن هذا التوجه ينسجم بشكل متزايد مع رؤية السعودية 2030، التي تقوم على الاستقرار الإقليمي بوصفه شرطًا لجذب الاستثمار وتأمين طرق التجارة والطاقة.
ويتقاطع هذا التفسير مع ما كتبه الصحفي والكاتب التركي كمال أوزتورك في مقال نشره موقع «الجزيرة نت»، حيث اعتبر أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة وتصاعد النفوذ (الإسرائيلي) في بؤر التوتر تفرض على السعودية وتركيا ومصر تجاوز خلافاتها وتعزيز التقارب فيما بينها باعتباره خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه.
وربط أوزتورك هذا التوجه بوقائع ميدانية مثل اعتراف (إسرائيل) بإقليم أرض الصومال الانفصالي، وتطورات اليمن والسودان، معتبرًا أن التدخلات (الإسرائيلية) المباشرة أو عبر وكلاء إقليميين تفرض على القوى الكبرى في المنطقة بناء مظلة تنسيق جديدة تحمي مصالحها المشتركة في البحر الأحمر وشرق إفريقيا والبحر المتوسط.
في هذا الإطار، لا يبدو الاتفاق الدفاعي السعودي–الباكستاني، واحتمال انضمام تركيا إليه، بوصفه تأسيسًا لتحالف عسكري صلب على غرار حلف الناتو، بل أداة إشارة سياسية وردع معنوي، ضمن سياسة موازنة وتحوط تعتمدها أنقرة بين الرياض وأبو ظبي، وتسعى عبرها السعودية إلى تنويع مظلاتها الأمنية وعدم حصر خياراتها في الشراكة التقليدية مع الولايات المتحدة.
تحالف سعودي تركي
هذه التحولات تضع واشنطن أمام مأزق استراتيجي مزدوج. فمن جهة، يتراجع رهانها على التطبيع باعتباره المدخل الرئيسي لإعادة ترتيب الإقليم، ومن جهة أخرى، تجد نفسها أمام حليف سعودي يعيد تعريف التهديدات، ويضع في مقدمة مخاوفه تمدد النفوذ (الإسرائيلي) والإماراتي في محيطه الجغرافي، أكثر من تركيزه على إيران وحدها.
وتشير تقديرات (إسرائيلية) إلى أن الإدارة الأميركية، ولا سيما في عهد دونالد ترامب، قد لا تنظر إلى هذا التحول بوصفه تطورًا سلبيًا طالما لم يتحول إلى اصطفاف علني معادٍ لها، لكنها عمليًا تفقد القدرة على ضبط مسارات التحالفات كما في السابق.
ويعزز هذا التحليل ماذهب إليه الباحث الأميركي لورانس هاس في مقال نشره موقع The National Interest مشيرا إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، رغم الإغراءات الأميركية، ابتعد عن مسار التطبيع مع (إسرائيل) بعد حرب أكتوبر 2023، وربط أي تقارب سعودي–إسرائيلي بخطوات إسرائيلية تدعم إقامة الدولة الفلسطينية.
ويعتبر هاس أن التحول السعودي جاء نتيجة إعادة تقييم للموازين الإقليمية، إذ أعادت الرياض حساباتها لموازنة التحالف المتنامي بين (إسرائيل) والإمارات، وتعزيز تحالفاتها مع تركيا، مصر، والصومال، في إطار إعادة تشكيل أوسع للنفوذ الإقليمي.
ويضيف أن انضمام تركيا المحتمل إلى الاتفاق الدفاعي السعودي–الباكستاني، الذي يشمل بندًا شبيهًا بالمادة الخامسة في حلف الناتو، قد يمهّد لظهور محور تركي–سعودي مدعوم ببنية دفاعية جديدة، خارج المظلة التقليدية للتحالفات الأميركية، مع مراعاة المخاوف الإسرائيلية من تأثير ذلك على تفوقها العسكري النوعي.
في المحصلة، لا يمكن قراءة التحول السعودي باعتباره رد فعل ظرفي على حرب غزة وحدها، بل هو تعبير عن إعادة تقييم أعمق لمعادلة الأمن القومي السعودي في ظل بيئة دولية مضطربة وتراجع الثقة بقدرة التطبيع وحده على إنتاج الاستقرار.
فالرياض تسعى إلى بناء شبكة علاقات أكثر استقلالية، وإلى تأسيس معادلة ردع لا تمر بالضرورة عبر تل أبيب أو واشنطن، وهو ما يجعل رسالتها الضمنية أن مرحلة الرهانات الأحادية قد انتهت، وأن على الولايات المتحدة مراجعة افتراضاتها بشأن شكل النظام الإقليمي المقبل، في ظل واقع جديد تتقدم فيه التحالفات المرنة على المحاور الصلبة، وتتراجع فيه مركزية (إسرائيل) في حسابات بعض القوى العربية الكبرى