بلا أيدٍ ولكن بقلبٍ واحد؛ كيف رسم الجزائري عادل بولبينة ابتسامة غزة في ملاعب الدوحة؟"

بلا أيدٍ ولكن بقلبٍ واحد؛ كيف رسم الجزائري عادل بولبينة ابتسامة غزة في ملاعب الدوحة؟"
بلا أيدٍ ولكن بقلبٍ واحد؛ كيف رسم الجزائري عادل بولبينة ابتسامة غزة في ملاعب الدوحة؟"

الرسالة نت- خاص

لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول "دوري نجوم أريدُ"، ولم يكن الهدف الذي سجله الجزائري عادل بولبينة، لاعب نادي الدحيل، مجرد إضافة رقمية لرصيده التهديفي؛ بل كان بمثابة "وثيقة إنسانية" كُتبت فصولها في لحظة صدقٍ عفوية، لتختزل مأساة شعب، وصمود طفل، ونبل رياضيّ آمن بأن رسالته الحقيقية تتجاوز حدود ركل الكرة وتحقيق الألقاب.

ففي تلك الأمسية، تحول المستطيل الأخضر من ساحة للتنافس الرياضي إلى منصة أخلاقية بامتياز، حيث نجح بولبينة في تحويل "البروتوكول الرياضي" المعتاد إلى مشهد تضامني هزّ الوجدان العربي. لم يكن الأمر يتعلق بالفوز أو الخسارة، بل بكيفية تسخير أضواء الشهرة لتسليط الضوء على جراح لم تندمل، وبث الأمل في قلب طفلٍ حمل من غزة ذكريات الحرب وآثارها القاسية على جسده النحيل.

مصافحة هزت الوجدان

بدأت الحكاية خلف الكواليس، حين طُلب من بولبينة أن يرافقه طفل من نازحي غزة في مراسم الدخول إلى أرض الملعب. وافق اللاعب دون تردد، لكنه لم يكن يعلم أن "المصافحة التقليدية" ستكون الدرس الأول في الصمود.

يقول بولبينة في تصريحاته عقب اللقاء: "مددت يدي لأمسك بيده كما هو المعتاد، لكنني ذُهلت حين اكتشفت أن الصغير بلا يدين". تلك اللحظة لم تكن مجرد اكتشافٍ لإصابة جسدية، بل كانت مواجهة مباشرة مع بشاعة الحرب التي تركت أثرها على جسد غضّ، وهي المواجهة التي غيرت مسار احتفالية اللاعب لاحقاً.

احتفالية "الأيدي الخفية": رمزية تتجاوز التصفيق

في الدقيقة التي هز فيها بولبينة شباك الخصم، اتجهت الأنظار نحو الكاميرات، لكنه اختار مساراً مختلفاً؛ إذ وضع يديه خلف ظهره، وأخفاهما تماماً عن الأنظار، متخذاً وضعية الطفل ذاتها. لم تكن حركة استعراضية، بل كانت "محاكاة تضامنية" أراد من خلالها أن يقول للطفل وللعالم: "أنا اليوم بلا يدين مثلك، ليكون صوتنا واحداً".

هذه اللفتة، التي وُصفت بـ"احتفالية الأيدي الخفية"، لم تكن موجهة للمدرجات بقدر ما كانت رسالة "جبر خاطر" للصغير الذي كان يراقب من الهامش، محولةً العجز الجسدي إلى رمزية للبطولة والتحدي أمام آلاف المشاهدين، ومؤكدة أن الوجع المشترك أقوى من أي محاولة للتهميش.

ما وراء المباراة: الكرة كمنصة للحق

تجاوز تأثير هذا الموقف حدود الملعب، ليتحول إلى قضية رأي عام على منصات التواصل الاجتماعي. فالصحافة الرياضية رأت في سلوك بولبينة نموذجاً لـ "أنسنة الرياضة"، حيث لم يكتفِ اللاعب بالدعم اللفظي، بل جعل من جسده واحتفاله وسيلة حية للتعبير عن التلاحم مع ضحايا الحرب في فلسطين.

ولم يتوقف الأمر عند الاحتفال؛ إذ بادر بولبينة بإهداء قميصه والهدف للطفل، في خطوة كرست مبدأ أن النجومية الحقيقية تُقاس بمدى قدرة الرياضي على أن يكون صوتاً لمن لا صوت لهم، ومواساةً لمن فقدوا أطرافهم في سبيل البقاء، لتظل لقطة "اختفاء اليدين" شاهدة على ظهور "الروح" في أبهى صورها.