تمرّ منظمة هيومن رايتس ووتش بواحدة من أكثر أزماتها الداخلية حساسية منذ سنوات، بعد أن أعلن كامل فريقها المعني بفلسطين والاحتلال الإسرائيلي استقالته الرسمية، في خطوة احتجاجية غير مسبوقة على قرار القيادة العليا حجب تقرير حقوقي شامل كان من المقرر نشره خلال الأيام الماضية.
الاستقالات شملت عمر شاكر، رئيس الفريق وصاحب تجربة تمتد لأكثر من عقد في توثيق انتهاكات الاحتلال، إلى جانب الباحثة المساعدة ميلينا أنصاري، ما شكّل صدمة داخل الأوساط الحقوقية وأثار تساؤلات عميقة حول استقلالية المنظمة وادّعائها الحياد.
التقرير المثير للجدل حمل عنوان "أرواحنا في البيوت التي تركناها"، وجاء في 33 صفحة، وكان ثمرة عمل بحثي معمّق بدأ مطلع عام 2025.
وخلص التقرير إلى نتيجة قانونية بالغة الوضوح مفادها أن حرمان الاحتلال الإسرائيلي للاجئين الفلسطينيين من حق العودة لا يشكّل مجرد انتهاك لحقوق الإنسان، بل يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية وفق أحكام القانون الدولي.
واستند الباحثون إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، معتبرين أن المنع المتواصل لعودة اللاجئين منذ نكبتي 1948 و1967 يندرج ضمن ما يُعرف بـ“الأفعال اللاإنسانية الأخرى”.
ولتعزيز الأساس القانوني، استحضر التقرير سابقة قضائية صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية عام 2018، والتي أدانت فيها منع عودة لاجئي الروهينغا، واعتبرت ذلك جزءًا من سياسة اضطهاد ممنهجة.
وسعى التقرير إلى إسقاط هذا المنطق القانوني على الحالة الفلسطينية، مؤكدًا أن سياسات الاحتلال لا يمكن فصلها عن هدف استراتيجي يتمثل في الحفاظ على ما يسمى “التفوق الديموغرافي” عبر التهجير القسري، ومنع العودة، ومصادرة الحق الجماعي في الأرض والذاكرة.
غير أن الصدمة وقعت عندما قررت قيادة المنظمة سحب التقرير قبل لحظات من موعد نشره، دون تقديم مبررات مهنية مقنعة للفريق.
واعتبر المستقيلون أن هذه الخطوة تمثل خروجًا صارخًا عن المعايير المهنية التي لطالما تباهت بها المنظمة، وتعكس خضوعًا واضحًا لمخاوف وضغوط سياسية على حساب الحقيقة القانونية.
ووصف عمر شاكر قرار الحجب بأنه “فعل جبان”، هدفه تجنّب الصدام مع داعمي الاحتلال الإسرائيلي، ومع دوائر سياسية نافذة، لا سيما في الولايات المتحدة.
في المقابل، حاول المدير التنفيذي الجديد للمنظمة، فيليب بولوبون، احتواء الأزمة عبر تصويرها على أنها “خلاف مهني” يتعلق بتعزيز القاعدة البحثية للتقرير.
إلا أن تسريبات من داخل المنظمة كشفت عن ضغوط مورست لتقليص نطاق التقرير، وحصره فقط في الفلسطينيين الذين نزحوا بعد عام 2023، وهو ما رفضه الفريق بشدة، معتبرًا أن هذا الطرح يفرغ القضية من جوهرها التاريخي، ويتجاهل عقودًا طويلة من الحرمان القسري الممنهج.
هذا التدخل دفع أكثر من 200 موظف داخل هيومن رايتس ووتش إلى توقيع عريضة داخلية ترفض تسييس البحث الحقوقي، وتحذّر من خطورة إخضاع الاستنتاجات القانونية لموازين السياسة والعلاقات العامة. ومع ذلك، مضت القيادة في قرارها، ما عمّق الشرخ داخل المنظمة.
وتحمل هذه الواقعة دلالات أوسع من مجرد خلاف إداري، إذ يرى حقوقيون وناشطون فلسطينيون أن ما جرى يؤكد أزمة بنيوية في عمل عدد من المؤسسات الحقوقية الدولية، التي تدّعي الحياد ومناصرة المظلوم، لكنها عمليًا تنحاز للرواية الإسرائيلية عبر انتقائية التقارير، وتخفيف اللغة القانونية، أو تجنّب توصيف الجرائم بأسمائها عندما يتعلق الأمر بفلسطين.
وقد حذّر ناشطون، من بينهم عبّاي عبودي، من أن تقارير المنظمة باتت محل تشكيك متزايد في الأوساط الفلسطينية، طالما ظلت خاضعة لمثل هذه الحسابات.
وفي ختام مسيرته مع المنظمة، وجّه عمر شاكر رسالة لاذعة، مؤكدًا أن العالم لا يحتاج إلى مؤسسات حقوقية "محايدة زائفًا"، بل إلى أصوات شجاعة لا ترتجف أمام الانتهاكات، مهما كان مرتكبوها.
واعتبر أن طريقة تعامل القيادة الجديدة مع ملف الاحتلال الإسرائيلي قوّضت نزاهة المراجعة البحثية، وفتحت الباب أمام مراجعة جادة لدور هذه المؤسسات، وقدرتها الحقيقية على الدفاع عن حقوق الفلسطينيين في المنابر الدولية.