من التجنيد إلى التصفية

مليشيات الظل.. أدوات الاحتلال في الحرب الخفية بغزة!

تحليل: مليشيات الظل.. أدوات الاحتلال في الحرب الخفية بغزة!
تحليل: مليشيات الظل.. أدوات الاحتلال في الحرب الخفية بغزة!

الرسالة نت- خاص

لا تزال المليشيات التي تتعاون مع الاحتلال في غزة تشكّل أحد أبرز الملفات الأمنية والسياسية المعقّدة في القطاع، حيث تعمل هذه المجموعات كأذرع تنفيذية مخترِقة داخل المجتمع الفلسطيني، وتتنوع مهامها بين جمع المعلومات عن المقاومة.

كذلك استدراج المقاومين والمشاركة في عمليات تصفية ممنهجة، بما يضمن للاحتلال فرض نفوذه دون المخاطرة المباشرة بالقوات الخاصة، أو ما يُعرف بقوات "المستعربين" التابعة للجيش (الإسرائيلي).

فهذه الأذرع، التي تمتلك معرفة دقيقة بالأحياء والمناطق، أصبحت جزءًا من منظومة أمنية متكاملة تهدف إلى إضعاف المقاومة في غزة، وتفكيك البنية الاجتماعية الفلسطينية التي تتعرض لحرب إبادة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

تعاون مشترك مع الاحتلال!

وكشف تحقيق "ما خفي أعظم"، مساء يوم الجمعة، عن تعاون مباشر بين الميليشيات المسلحة والاحتلال، عبر اعترافات مسجّلة بالصوت والصورة لأحد العملاء، الذي أُلقي القبض عليه بعد تنفيذه عملية اغتيال لأحد ضباط الأمن الداخلي في غزة.

وظهر في التحقيق العميل، وفق اعترافاته، وهو يتلقى الأوامر من ضابط المخابرات (الإسرائيلي)، الذي أمره بوضع كاميرا مخفية على ملابسه، لتسجيل العملية من البداية حتى التنفيذ.

وأظهرت اللقطات التي حصلت عليها الجزيرة من أجهزة الأمن في غزة العميل وهو يتابع تفاصيل العملية مع ضابط المخابرات الإسرائيلي، وهي عملية اغتيال الضابط في جهاز الأمن الداخلي في غزة أحمد زمزم، التي نُفذت بتاريخ 14 ديسمبر/كانون الأول 2025، وخلال التحقيقات، اعترف العميل (م. ج) بتنفيذ العملية تحت غطاء كامل من جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وأظهرت كاميرا التسجيل التي وضعها العميل على ملابسه لقطات عدة تُظهر تواصلًا مباشرًا مع ضابط المخابرات (الإسرائيلي)، حيث كان يقوم بتوجيه الأوامر له مباشرة وصولًا إلى تنفيذ عملية اغتيال الضابط زمزم.

وكشفت الاعترافات التي حصلت عليها الجزيرة تدريب منفّذي الاغتيال على يد المخابرات (الإسرائيلية)، كما تُظهر أن منفّذي عملية الاغتيال استخدما مسدسات كاتمة للصوت ودراجتين كهربائيتين.

ووفق التحقيق، فقد كشفت الاعترافات التي حصلت عليها الجزيرة أن الضابط أحمد زمزم كان مسؤولًا مباشرًا عن ملف المليشيات المتعاونة مع الاحتلال.

تؤدي أدوارًا لصالح الاحتلال!

الخبير في الشؤون (الإسرائيلية) مهند مصطفى، يرى أن الاحتلال يتجه بشكل متزايد إلى استغلال الميليشيات المحلية في غزة لتنفيذ مهام أمنية خطِرة، وعلى رأسها عمليات الاغتيال، دون الاضطرار للمخاطرة بجنوده.

ويقول مصطفى في حديث لقناة الجزيرة: "إن الاحتلال يدعم هذه الميليشيات تحت غطاء دعائي مضلل، عبر الادعاء بأنها مجموعات فلسطينية داخلية لا علاقة له بها، في محاولة للتنصّل من المسؤولية السياسية والأخلاقية عمّا يجري".

ويشير إلى أن تحرّك هذه الميليشيات أسهل في المناطق التي تسيطر عليها حركة "حماس"، لأن الجيش (الإسرائيلي) لا يرغب بالمجازفة بقواته داخل بيئة معادية، ويفضّل المخاطرة بالعملاء المحليين، حتى وإن جرى اعتقالهم أو تصفيتهم.

ويضيف مصطفى أن وحدات المستعربين لا تستطيع العمل في غزة كما في الضفة الغربية، نظرًا لاختلاف البيئة الاجتماعية والأمنية، ما يدفع الاحتلال إلى البحث عن بدائل أقل كلفة، تتمثل في هذه الميليشيات المسلحة.

ويعتبر أن لهذه الميليشيات أدوارًا وأدوات خطِرة في المشروع الاحتلالي، أبرزها نقل النموذج اللبناني إلى غزة، في إشارة إلى تجربة دعم الميليشيات المحلية سابقًا، ومحاولة إعادة إنتاجها اليوم داخل القطاع.

ويشير إلى أن هذه الجماعات مسلّحة ومنظمة، وتؤدي أدوارًا مباشرة لصالح الاحتلال، مستفيدة من معرفتها الدقيقة بالمناطق والسكان، حيث باتت تشارك في ملاحقة المواطنين والتحقيق معهم.

ويختم الخبير في الشأن (الإسرائيلي) حديثه قائلًا: "الاحتلال عمل خلال العام الماضي بشكل مكثف على تسليح وتدريب هذه الميليشيات، التي تجاوز دورها الأمني إلى دور تخريبي سياسي، لتتحول إلى ما يشبه حكومة ظل تعمل لصالح (إسرائيل) داخل غزة".

وتشير المعطيات التي كشفها التحقيق إلى تحوّل خطير في أدوات الاشتباك (الإسرائيلي) داخل قطاع غزة، من المواجهة العسكرية المباشرة إلى إدارة حرب خفية بالوكالة، تعتمد على تجنيد ميليشيات محلية وتنفيذ اغتيالات موجّهة بإشراف استخباري كامل.

هذا النمط لا يعكس فقط سعي الاحتلال لتقليل كلفة الخسائر في صفوف جنوده، بل يكشف أيضًا عن استراتيجية أوسع لإرباك الجبهة الداخلية، وزعزعة البنية الأمنية، وتحويل المجتمع نفسه إلى ساحة اختراق وصراع.

مصالح مباشرة مع الاحتلال!

بدوره، يرى المحلل السياسي إياد القرار أن نواة هذه الميليشيات تتكوّن أساسًا من أصحاب سوابق جنائية، كانوا متورطين خلال حرب الإبادة على غزة في السرقات وقطع الطرق، قبل أن يتم استغلالهم وبناؤهم أمنيًا من قبل الاحتلال.

ويشير القرار إلى أن الاحتلال منح هذه المجموعات تسهيلات خاصة، أبرزها السماح بسرقة المساعدات الإنسانية وبيعها، ثم وفّر لها الحماية والمأوى، قبل أن ينتقل إلى تجنيدها بشكل منظّم.

وينوّه إلى أن هذه الجماعات باتت تمتلك مصالح مباشرة مع الاحتلال، ما دفعها للانتقال إلى ما يُعرف بـ"المناطق الصفراء"، والعمل كأدوات فوضى داخلية تخدم الأهداف الإسرائيلية.

ويؤكد المحلل السياسي أن الاحتلال حوّل هذه الميليشيات إلى أداة لزعزعة الاستقرار داخل غزة، عبر تهديد المواطنين والمقاومة معًا، في إطار سياسة تهدف إلى إنهاك الجبهة الداخلية دون تدخل عسكري مباشر.

وتتجاوز عملية الاغتيال التي كشفها التحقيق كونها حادثة أمنية معزولة، لتغدو نموذجًا لآلية عمل جديدة توظّف العملاء، والتقنيات المتقدمة، والغطاء الإنساني والأمني، في معركة استخبارية طويلة النفس.

فهذه المعارك تسعى من خلالها (إسرائيل) إلى إعادة تشكيل الواقع الأمني في غزة، وإنتاج أدوات ضغط داخلية تخدم أهدافها السياسية والعسكرية في مرحلة ما بعد الحرب.وفي ضوء هذه المعطيات، يتضح أن المليشيات المتعاونة مع الاحتلال ليست ظاهرة عابرة أو هامشية، بل أداة مركزية في معركة خفية تُدار داخل غزة بهدف استنزاف المجتمع وضرب منظومة المقاومة من الداخل.

 ومع تصاعد الاعتماد (الإسرائيلي) على هذا النموذج، تتعاظم خطورته ليس فقط على المستوى الأمني، بل على النسيج الاجتماعي والوطني الفلسطيني ككل، ما يستدعي تفكيك هذه الظاهرة إعلاميًا وأمنيًا، وفضح أدوارها ووظائفها، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من مشروع الاحتلال لإعادة تشكيل الواقع في القطاع بوسائل أقل كلفة وأكثر تدميرًا.