علي الرزاينة.. قائد عاش الفقد في عائلته قبل استشهاده

علي الرزاينة.. قائد عاش الفقد في عائلته قبل استشهاده
علي الرزاينة.. قائد عاش الفقد في عائلته قبل استشهاده

الرسالة نت- خاص

عند قبره، وقفت والدته وحولها رفاقه وقالت بصوتٍ أنهكه التعب "كسروا ظهري… علي استشهد وأخوه أسير. إحنا ما بتحاربنا إسرائيل، إحنا بتحاربنا أمريكا، وكل العالم بتفرّج علينا".

علي الرزاينة، المعروف بـ " أبو البراء" وُلد في الضاحية الجنوبية بلبنان لأبٍ غزّاوي وأم لبنانية التحقا بالثورة الفلسطينية هناك، قبل أن يعودا إلى غزة ومعهما طفلٌ سيكبر في بيئة مشبعة بفكرة المقاومة. 

في سنوات لاحقة، أصبح قائدًا في المجلس العسكري لسرايا القدس، ونجا من محاولات اغتيال متكررة، بينما كانت عائلته تدفع ثمنًا مباشرًا في كل مواجهة.

في حرب 2014 أُصيب عدد من أهله وأنسبائه في القصف. وفي ديسمبر 2023 استُشهد نجله براء، الذي كان يناديه دائمًا “وحيدي”. بعد أشهر، ارتقت ابنته. ثم استُهدفت خيمته، فاستشهد مع ابنته الصغرى، لتكتمل سلسلة خسائر طالت بيته قبل أن تطاله هو.

خلال المجاعة الأولى في مخيم جباليا، كان أبو البراء مصابًا إثر محاولة اغتيال، وحالته حرجة، كانت حصته اليومية علبة تونة واحدة، مثل غيره من المقاتلين. 

في تلك الفترة، بدأت قطة تتردد إلى مخبئه بانتظام. كان يقسم طعامه نصفين ويضع جزءًا أمامها، ويقول: “كُلي وادعي لبراء… الله يحفظه إليّ”. في الوقت نفسه تقريبًا، كان براء قد أُصيب ثم استُشهد، من دون أن يعلم والده.

استمرت القطة في الحضور أربعين يومًا. كان من حوله يعرفون الحقيقة، لكنهم ترددوا في إخباره، كيف يُقال لأبٍ جريح إن ابنه أُصيب ولم يجد من يسعفه؟ وإنه قضى ليلة كاملة ينزف بينما يُبحث له عن دواء فلا يُعثر عليه؟

في اليوم الذي زاره فيه أحد رفاقه ليبلغه، لم تأتِ القطة. غابت أيامًا، وغاب معها انتظام الحياة القليل الذي كان يملكه. ثم عادت، فعاد يقسم العلبة بينه وبينها، وكأنه يطعم طفله الشهيد.

إلى جانب هذه الخسارات، كانت زوجته، ابنة عمه، تعيش سلسلة فقد متواصلة، تزوّجته بعد إنهائها الثانوية ورافقت حياة المطاردة والانتظار. منذ بدء الحرب الأخيرة، استُشهد ابنها الوحيد براء، ثم شقيقها في اجتياح لاحق. 

وفي محاولة اغتيال سابقة لزوجها، استُشهدت ابنتها لانا وأُصيبت هي وابنتها لارا إصابات خطيرة. وفي الاستهداف الأخير، ودّعت زوجها وطفلتها، فيما كان شقيقها يرقد في العناية المركزة، وأفراد آخرون من العائلة بين جريح ومصاب.

عند القبر، لم تتحدث الأم عن تفاصيل عسكرية ولا عن مناصب. تحدثت عن كسرٍ شخصي، وعن عالمٍ يتفرّج. وبين سيرة القائد وسيرة الأب، تبقى صورة رجلٍ يقاسم قطة نصف علبة تونة، ويطلب منها أن تدعو لابنه، واحدةً من أكثر التفاصيل قدرةً على تلخيص حياته كما عاشها: بين المسؤولية، والفقد، ومحاولة الاحتفاظ بما تبقّى من إنسانية.