انهيار المنظومة الصحية بغزة.. المستشفيات تتحول لساحات انتظار للموت

الرسالة نت - خاص

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة دخول القطاع الصحي مرحلة "انهيار حاد وغير مسبوق"، في ظل عجز متصاعد يضرب كل مفاصل المنظومة الطبية، من الأدوية والمستهلكات إلى المختبرات وبنوك الدم.
ويأتي هذا الإعلان في وقت لم تتجاوز فيه حصة القطاع الصحي 5% من إجمالي المساعدات الإنسانية الواصلة إلى القطاع، رغم الكارثة الصحية المتفاقمة.
وتحولت المستشفيات التي ما تزال تعمل إلى وحدات إسعاف أولي عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات، في ظل نفاد 46% من قائمة الأدوية الأساسية، و66% من المستهلكات الطبية، و84% من المواد المخبرية ومستلزمات بنوك الدم، وهي أرقام تعكس انهيارا هيكليا لا مجرد أزمة عابرة.
انهيار مقصود
ويؤكد مسؤولون صحيون أن هذا الواقع ليس نتيجة نقص تمويلي فحسب، بل حصيلة مباشرة لإغلاق المعابر وعدم الالتزام بالاتفاقيات المتعلقة بإدخال الإمدادات الطبية، ما جعل النظام الصحي يواجه خطر التوقف الكامل.
ووصف الدكتور أحمد الفرا، مدير مستشفى التحرير في مجمع ناصر الطبي، الوضع الصحي في قطاع غزة بأنه "كارثي"، مشيرا إلى توقف العديد من الأقسام الحيوية نتيجة تدمير الأجهزة الطبية، وتعطل ما تبقى منها بسبب النقص الحاد في الوقود والأوكسجين.
وأكد أن غرف العمليات باتت تعمل بساعات محدودة، فيما توقفت عمليات جراحية ضرورية لعدم توفر المستلزمات الأساسية.
وأوضح الفرا أن أكثر من 21 ألف مريض ينتظرون السفر لتلقي العلاج خارج القطاع، بينهم مرضى أورام وأمراض دم مزمنة، لافتا إلى أن انعدام أدوية السرطان وعدم القدرة على استكمال البروتوكولات العلاجية يؤدي بشكل مباشر إلى وفاة المرضى. وأضاف: "نحن لا نتحدث عن تراجع في جودة الخدمة، بل عن فقدانها بالكامل في بعض التخصصات".
وأشار إلى أن سلطات الاحتلال تواصل منع دخول شاحنات الأدوية والمستهلكات الطبية، بالتزامن مع تضييق ممنهج على عمل المؤسسات الدولية، ما دفع عددا منها إلى الانسحاب ووقف عملياتها الإغاثية داخل القطاع، هذا الواقع فاقم الضغط على المستشفيات الحكومية القليلة المتبقية.
وتشير تقارير دولية إلى أن الحصار أدى إلى نفاد نحو 80% من الأدوية الأساسية والمستهلكات الجراحية، الأمر الذي جعل مستشفيات مثل مجمع ناصر الطبي تعمل بقدرات لا تتناسب مع حجم الإصابات والحالات المرضية المزمنة. ومع تكرار إغلاق المعابر، تكدست آلاف الحالات الحرجة التي لا تملك خياراً علاجياً داخل غزة.
وباتت "قوائم الانتظار" في أقسام التحويلات الطبية تتحول يوميا إلى كشوفات لضحايا فارقوا الحياة قبل الحصول على فرصة للعلاج خارج القطاع، في مشهد يعكس حجم المأساة الصامتة التي لا توثقها عدسات الكاميرات.
انتظار قسري
من جهتها، حذرت وزارة الصحة في غزة من الانهيار الوشيك للمنظومة الصحية، مؤكدة أن المستشفيات العاملة تُصارع للاستمرار في تقديم الحد الأدنى من الخدمات بعدما تحولت فعلياً إلى محطات انتظار قسرية لآلاف المرضى والجرحى الذين يواجهون مصيراً مجهولاً.
وأوضحت الوزارة أن الوصول إلى أرصدة صفرية من الأدوية والمستهلكات الطبية جعل أبسط المسكنات غير متوفرة، في وقت نفدت فيه 46% من قائمة الأدوية الأساسية، و66% من المستهلكات الطبية، و84% من المواد المخبرية ومستلزمات بنوك الدم.
كما توقفت بنوك الدم في عدة مستشفيات عن العمل لعدم توفر أكياس الحفظ ومواد الفحص، ما أدى إلى تعطيل عشرات العمليات الجراحية الطارئة.
وبيّنت أن خدمات علاج السرطان وأمراض الدم، والجراحة العامة، والعناية المركزة، والرعاية الصحية الأولية، تأتي في مقدمة الخدمات الأكثر تضرراً، مؤكدة أن الكميات المحدودة التي تصل من الإمدادات لا تغطي سوى أيام قليلة من الاحتياج الفعلي.
وتؤكد وزارة الصحة أن إنقاذ الوضع الصحي في غزة لا يمكن أن يتحقق عبر حلول إسعافية مؤقتة، بل يتطلب تدخلا دوليا عاجلا يضمن فتح المعابر بشكل دائم، وإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية دون قيود، وإعادة تشغيل المستشفيات المتوقفة.
فاستمرار الحصار وعدم الالتزام بالاتفاقيات الإنسانية يعني عمليا ترك المنظومة الصحية تنهار بالكامل، وتحويل الحق في العلاج إلى امتياز نادر.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الدعوات لتحرك دولي فوري ضرورة إنسانية ملحة، قبل أن تتحول المستشفيات المتبقية إلى مبانٍ بلا قدرة على إنقاذ حياة واحدة.
إن ما يجري في غزة اليوم ليس أزمة إمدادات مؤقتة، بل اختبار حقيقي لالتزام المجتمع الدولي بحماية الحق في الصحة والحياة، في وقت يواجه فيه أكثر من مليوني إنسان نظاماً صحياً ينهار أمام أعين العالم.