نهج عقابي جديد

 الاحتلال يشرع بإبعاد أسرى مقدسيين وسحب جنسيتهم وسط تحذيرات حقوقية

 الاحتلال يشرع بإبعاد أسرى مقدسيين وسحب جنسيتهم وسط تحذيرات حقوقية
 الاحتلال يشرع بإبعاد أسرى مقدسيين وسحب جنسيتهم وسط تحذيرات حقوقية

غزة- الرسالة نت

في تصعيد جديد لسياسة العقاب الجماعي بحق الفلسطينيين، شرعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بتطبيق قانون يجيز سحب الجنسية أو الإقامة الدائمة من الأسرى الفلسطينيين وإبعادهم قسرًا، في خطوة وُصفت بأنها انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، وتفتح الباب أمام تهجير مئات الأسرى والمحررين، وسط إدانات حقوقية وتحذيرات من تحويل الإبعاد القسري إلى سياسة ممنهجة.

يأتي هذا الإجراء في سياق استغلال حكومة الاحتلال لحرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لتمرير حزمة واسعة من القوانين والإجراءات ذات الطابع الانتقامي بحق الفلسطينيين، وخصوصًا الأسرى والمحررين. فبحجة “الردع” و”مكافحة الإرهاب”، وسّعت الحكومة (الإسرائيلية) صلاحياتها التشريعية والتنفيذية في ظل أجواء الطوارئ، ما أتاح تمرير قوانين كانت تواجه سابقًا اعتراضات قانونية وحقوقية.

وشملت هذه الإجراءات تشديد ظروف الاعتقال، وتقييد زيارات الأسرى، وتقليص حقوقهم الأساسية، إلى جانب إقرار قوانين تسمح بسحب الجنسية أو الإقامة الدائمة من الأسرى الفلسطينيين وإبعادهم قسرًا بعد الإفراج عنهم، بذريعة تلقي مخصصات مالية من السلطة الفلسطينية.

ويرى مراقبون أن هذه القوانين تمثل تحولًا نوعيًا في سياسة الاحتلال تجاه ملف الأسرى، إذ انتقلت من العقاب الفردي إلى العقاب الجماعي القائم على التهجير القسري، في إطار توظيف الحرب كغطاء سياسي وتشريعي لتكريس سياسات الإقصاء والتطهير الديمغرافي، لا سيما في القدس المحتلة.

عقاب جماعي

وأفادت تقارير (إسرائيلية) أن سلطات الاحتلال تستعد لترحيل أحد الأسرى الفلسطينيين بشكل فوري بعد استكمال الترتيبات الإدارية، فيما سيتم تنفيذ قرار إبعاد الأسير الثاني عقب الإفراج عنه من السجن.

وذكرت صحيفة "معاريف" أن نحو 850 أسيرًا فلسطينيًا من حملة الجنسية (الإسرائيلي أو الإقامة الدائمة قد تنطبق عليهم معايير هذا القانون، الذي تتعامل معه الحكومة الإسرائيلية بوصفه "نموذجًا أوليًا" تمهيدًا لتوسيعه خلال المرحلة المقبلة.

وتأتي هذه الخطوة في ظل انتقادات حقوقية متصاعدة، تعتبر أن القانون يمثل إجراءً عقابيًا جماعيًا يخالف مبادئ القانون الدولي، ويُستخدم كأداة سياسية لترسيخ سياسات الإقصاء والتهجير بحق الفلسطينيين.

وفي هذا السياق، قالت محافظة القدس إن قرار رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بإبعاد معتقلين محررين يشكّل تصعيدًا خطيرًا وممنهجًا ضمن سياسة العقاب الجماعي بحق الشعب الفلسطيني، ويمثل انتهاكًا صارخًا لقواعد القانون الدولي الإنساني.

وأوضحت المحافظة، في بيان صدر عنها اليوم الأربعاء، أن الإبعاد القسري لأسير محرر من بلدة كفر عقب بعد سحب جنسيته، وإبعاد أسير آخر من بلدة جبل المكبر إلى قطاع غزة عقب سحب إقامته المقدسية، يشكّلان خرقًا جسيمًا لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، ولا سيما المادة (49) التي تحظر النقل القسري والترحيل الفردي أو الجماعي للأشخاص المحميين من أراضيهم، كما يمثلان انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في الإقامة والحياة الأسرية وعدم التعرض لعقوبات تعسفية.

وأكدت المحافظة أن هذه الممارسات ترقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان، محذّرة من خطورة التصريحات الإسرائيلية التي توعّدت بتكرار هذا الإجراء بحق أسرى ومحررين آخرين، ما ينذر بتحويل الإبعاد القسري إلى سياسة ثابتة تُهدد الاستقرار الإنساني والاجتماعي وتُعمّق معاناة الفلسطينيين.

وبيّنت المحافظة، نقلًا عن نادي الأسير في القدس، أن المستهدفين هما الأسير المحرر محمد حماد الصالحي من كفر عقب، الذي أُفرج عنه عام 2024 بعد أن أمضى 23 عامًا في سجون الاحتلال وكان يحمل الجنسية الإسرائيلية، والأسير محمد أحمد حسين الهلسة من جبل المكبر، المحكوم بالسجن لمدة 18 عامًا، والذي ينص القرار الموقع من نتنياهو على إبعاده إلى قطاع غزة عقب انتهاء محكوميته.

وطالبت محافظة القدس المجتمع الدولي، ولا سيما الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالتدخل العاجل لوقف هذه الجريمة وتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وعدم الاكتفاء ببيانات الإدانة، والعمل على محاسبة الاحتلال على انتهاكاته. كما دعت المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والدولية إلى توثيق هذه الجريمة ورفعها إلى المحكمة الجنائية الدولية.

استهداف الوجود الفلسطيني

وتُعد هذه الخطوة الأولى من نوعها منذ إقرار قانون يجيز سحب الجنسية أو الإقامة من الفلسطينيين بذريعة تلقي مخصصات مالية من السلطة الفلسطينية، وهو القانون الذي بادر إليه عضو الكنيست أوفير كاتس عام 2023، وسط معطيات تشير إلى أن مئات المعتقلين قد يواجهون المصير ذاته.

من جانبها، أدانت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" قرار سلطات الاحتلال إبعاد عدد من الأسرى المقدسيين، معتبرة أن الخطوة تمثل تصعيدًا جديدًا في السياسات التي تستهدف الوجود الفلسطيني في القدس والضفة الغربية، وربطت القرار بمخططات التهويد وفرض وقائع جديدة على الأرض. ودعت الحركة الأمم المتحدة والمؤسسات الحقوقية إلى التحرك العاجل لوقف هذه الإجراءات.

وفي السياق ذاته، واصلت سلطات الاحتلال سياسة الإبعاد عن المسجد الأقصى المبارك، حيث أفادت محافظة القدس بإبعاد الشاب القعقاع بكيرات والأسير المحرر محمد أبو الحمام من بلدة سلوان عن المسجد الأقصى لمدة أسبوع قابل للتجديد. وأشارت إلى أن عشرات قرارات الإبعاد صدرت منذ مطلع شباط/فبراير الجاري، تضاف إلى أكثر من 100 قرار خلال كانون الثاني/يناير الماضي، في ظل استعدادات إسرائيلية مشددة قبيل شهر رمضان.

خرق للقوانين

وفي موقف قانوني، قال مركز "عدالة" الحقوقي إن أوامر الترحيل وسحب المواطنة تمثل انتهاكًا فاضحًا لحقوق الإنسان والقانون الدولي، محذرًا من أن الحكومة الإسرائيلية حوّلت حق المواطنة إلى امتياز مشروط يمكن سحبه متى شاءت. وأكد أن القانون الجديد يلتف على قرارات المحكمة العليا السابقة التي كانت تلزم الدولة بمنح إقامة دائمة لمن يُسحب منهم حق المواطنة منعًا لانعدام الجنسية.

وأشار المركز إلى أن الحرمان التعسفي من المواطنة، ولا سيما عندما يؤدي إلى الترحيل القسري أو انعدام الجنسية، يشكل خرقًا للمادة (15) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة (8) من اتفاقية الحد من حالات انعدام الجنسية، معتبرًا أن القانون عقابي وتمييزي وغير دستوري.