لم يكن أحمد حسن سويلم رقمًا في بيان عسكري، ولا مجرد صورة في جنازة. كان أبًا لثلاث طفلات، ومقاومًا أوجع الاحتلال، فلاحقه من مكان إلى آخر حتى ارتقى شهيدًا، ليذيع صيته رجلًا صنديدًا لم يملّ مقارعة الاحتلال.
في مساء يوم الاثنين الماضي، استُشهد سويلم (33 عامًا) إثر غارة إسرائيلية استهدفت بناية سكنية في حي النصر شمال غربي مدينة غزة، برفقة الشاب إبراهيم الزعانين. رحل بعدما سبقته أسرته إلى القبور، وبقيت قصته تمشي وحدها في شوارع المدينة المدمّرة.
قبل أسابيع من استشهاده، وقف سويلم مودّعًا زوجته وبناته الثلاث: شام، وشهد، وإيمان. وكانت الطفلات قد استشهدن مع والدتهن إيمان إسماعيل في قصف إسرائيلي يوم 14 مايو/أيار 2025. في ذلك اليوم، لم يبكِ بصوت عالٍ، بل قال بصوت الراضي المطمئن ليوم اللقاء:
"عزاؤنا أنهم شهداء عند الله… إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقكم لمحزونون".
بعدها تغيّر كل شيء. صار يمضي إلى الميدان وهو يحمل في ذاكرته صور بناته أكثر مما يحمل في يده. لم يعد يقاتل من أجل بيت يحميه، بل من أجل أسماء لا يريد لها أن تُنسى.
وتقول البيانات الإسرائيلية إنه كان من أبرز المشاركين في عمليات وقعت خلال المعارك البرية شمالي قطاع غزة عام 2025، وأُسندت إليه أدوار في هجمات أوقعت قتلى وجرحى في صفوف الجنود الإسرائيليين، خصوصًا في محيط بيت حانون.
وفي رواية المقاومة، كان حضوره مرتبطًا بكمائن وعمليات قنص واشتباكات مباشرة، أبرزها عمليات جرى توثيقها في أبريل/نيسان ويوليو/تموز من العام نفسه، ووصفت بأنها من أعنف الضربات التي تعرّضت لها القوات المتوغلة شمالي القطاع.
لم تكن تلك المعارك بعيدة عن بيته القديم. فبيت حانون التي شهدت خطوات طفلاته الأولى، شهدت أيضًا أفعاله شابًا مجاهدًا يتجوّل بين الأزقة المهدّمة.
مساء استشهاده، خرج المشيّعون بصمت ثقيل. وتقدّم والده الجموع وهو يكبّر قائلًا:
"الله أكبر ولله الحمد… أكرمتني بشهادة ابني يا الله".
كانت الكلمات تختصر حكاية عائلة دفعت أبناءها واحدًا تلو الآخر، ثم وقفت تودّع الأخير.
لم يبقَ من أحمد سويلم سوى مقاطع فيديو قديمة: مرةً أب يضحك مع بناته، ومرةً رجلًا يودّعهن إلى الأبد، وأخرى توثّق عملياته التي أوجعت الاحتلال، وبين المشاهد مسافة حرب كاملة.
في غزة، لا يُقاس الرجال بما يحققونه في المعارك فقط، بل بما يفقدونه في الطريق. وسويلم، الذي عُرف في الميدان مقاتلًا، سيُذكر في الذاكرة أبًا رحل بعدما سبقته أسرته، وترك أسماء ثلاث طفلات معلّقة في السماء: شام، وشهد، وإيمان.