رسم الكاتب والباحث في الشأن الفلسطيني، هلال نصّار، صورة قاتمة ومحللة بدقة لما يجري في قطاع غزة، واصفاً الملف الغزي بأنه "أنبوب متضخم" يسعى الاحتلال الإسرائيلي حثيثاً لدفعه نحو الانفجار الشامل.
وأوضح نصار في تصريحات صحفية، أن حكومة بنيامين نتنياهو لا تكتفي بتشديد الحصار واستمرار عدوانها، بل تتبع سياسة "الالتزام الأحادي" من طرف فصائل المقاومة، بينما تواصل هي خروقاتها الميدانية وحملاتها التحريضية.
حذر نصار بشكل صريح من أن الأهداف الميدانية القادمة للاحتلال تتركز في "المنطقة الوسطى" من القطاع، وهي المنطقة التي ظلت حتى اللحظة بعيدة عن الدخول البري الكامل، رغم أنها تمثل المركز الأكثر اكتظاظاً بالسكان والملجأ شبه الوحيد للنازحين الفارين من شلالات الدم في الشمال والجنوب، مؤكداً أن العقلية الصهيونية الفاشية تستسهل إراقة دماء هؤلاء الأبرياء في خيام النزوح لفرض واقع ميداني مستباح طويل الأمد.
نتنياهو والمناورة الكبرى.. جر واشنطن لحرب ضد إيران، انتقل الباحث هلال نصار في تحليله إلى البعد الإقليمي، مشيراً إلى أن نتنياهو يمارس عملية تضليل استراتيجي واسعة النطاق؛ حيث يسعى لإطالة أمد الحرب تحت حجج واهية، مستتراً وراء ما وصفه بـ"مسار السلام الرأسمالي" والتحركات الدبلوماسية الأمريكية التي نعتها بـ"الكاذبة".
وحسب نصار، فإن الهدف الحقيقي لنتنياهو هو الزج بالإدارة الأمريكية في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، ليخوض الجيش الأمريكي الحرب بالنيابة عن الكيان الصهيوني، وبذلك يقطع الطريق على أي تفاهمات سياسية دولية تهدف لإنهاء التهديد الإيراني.
وأوضح نصار في تصريحاته، أن الربط بين جبهتي غزة وجنوب لبنان كأوراق ضغط على طهران قد يكون مبالغاً فيه، نظراً لوجود تحييد متعمد للقدرات القتالية في هذا الصراع، مما يعزز فرضية أن نتنياهو يبحث عن "حرب إقليمية كبرى" تضمن بقاءه السياسي وتحمي كيانه من الزوال الوشيك.
وفاة منظومة أوسلو والارتهان للتنسيق الأمني؛ وفي قراءة قانونية وسياسية حادة لمستقبل السلطة الفلسطينية، أكد نصار أن "منظومة أوسلو" وما انبثق عنها من سلطة وطنية قد انهارت ضمنياً منذ لحظة توقيعها، مشدداً على أن هذه المنظومة تحولت إلى أداة لملاحقة الكوادر الوطنية والزج بهم في السجون.
وهاجم نصار بشدة سياسة "التنسيق الأمني" التي وصفها بالمدنسة، معتبراً إياها طوق النجاة الوحيد الذي تحاول من خلاله قيادة السلطة في الضفة الغربية، ممثلة بمحمود عباس وماجد فرج وحسين الشيخ، البقاء في خندق الالتزام بما وقعت عليه رغم "وفاتها سياسياً".
وأشار إلى أن هذا التنسيق نجح في الضفة عبر حل الأجنحة العسكرية والتيارات المناهضة لأوسلو، مما خلق فجوة عميقة بين القيادة المرتهنة للاحتلال وبين نبض الشارع الفلسطيني الذي يرفض سياسة العمل المشترك مع ضباط المخابرات الإسرائيلية على طاولة واحدة.
قواعد الاشتباك الدولي.. فزع إسرائيلي من التحالفات الصاعدة على مستوى المشهد الدولي والإقليمي، يرى هلال نصار أن قواعد الاشتباك باتت مرهونة بحالة تأهب قصوى لخوض حرب قد تنتهي بزوال ما وصفه بـ"السرطان الإسرائيلي".
وأشار إلى أن إسرائيل تتابع بقلق بالغ تقارير تضخم قوة الجيش المصري، والتقارب التركي المصري الأخير، بالإضافة إلى المناورات العسكرية السعودية والتركية، والعلاقات الاستراتيجية بين إيران وتركيا وباكستان، هذه التحالفات، حسب نصار، تعتبرها تل أبيب "فاجعة مصيرية" وتهديداً استراتيجياً لبقائها، خاصة وأنها تتبلور تحت شعارات تعيد للأذهان فكرة القوة الإسلامية الموحدة. هذا الفزع الإسرائيلي هو ما يدفع حكومة الاحتلال لمحاولة إشعال فتيل الحرب بين أمريكا وإيران "بغتة"، في محاولة يائسة لتفكيك هذه القوى الصاعدة قبل أن تتحول إلى واقع ميداني ينهي الوجود الصهيوني في المنطقة برمتها.
ختاماً، يؤكد هلال نصار أن ما يشهده قطاع غزة اليوم ليس مجرد عدوان عسكري، بل هو جزء من مخطط تصفية شامل يتجاوز الحدود الجغرافية للقطاع وإن حكومة نتنياهو، بعقليتها الفاشية، تراهن على عامل الوقت وعلى التخاذل الدولي لفرض سيادتها على أجزاء جديدة من غزة، معتقدة أن الدعم الأمريكي المطلق سيحميها من تبعات الانفجار القادم ومع ذلك، فإن القراءة "خارج الصندوق" التي قدمها نصار توضح أن إسرائيل تعيش حالة من الرعب الوجودي من التغيرات الجيوسياسية المحيطة بها، وأن استمرار الإبادة في غزة قد يكون هو الصاعق الذي سيفجر النظام الإقليمي الحالي، ليعيد صياغة المنطقة وفق موازين قوى جديدة لا مكان فيها للكيانات القائمة على الاحتلال والقتل، مما يجعل المرحلة القادمة مرحلة "حسم تاريخي" تتجاوز كل اتفاقيات السلام الهشة والمفاوضات المضللة.
المصدر: موقع 180 تحقيقات