في 19 فبراير 2026، لم يكن المشهد في واشنطن مؤتمرًا عابرًا، بل إعلانًا غير مباشر عن انتقال الحرب على غزة من صوت الطائرات إلى لغة التمويل والجداول الزمنية وخطط الانتشار الأمني.
في القاعة، تعهدات تتجاوز 7 مليارات دولار، إضافة إلى 10 مليارات أمريكية. في الهامش، حديث عن قوة استقرار دولية قد تصل إلى 20 ألف جندي، وشرطة انتقالية قوامها 12 ألف عنصر.
وفي المتن… كلمة واحدة تتكرر: نزع السلاح. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل يُنزع السلاح؟ بل: من يكتب شروط الحياة في غزة بعد الحرب؟ المعادلة الجديدة تبدو بسيطة ظاهريًا: إعمار وغذاء مقابل أمن. سلاح مقابل استقرار. غير أن ما يجري يتجاوز ذلك.
نحن أمام نموذج “حرب هجينة بالإعمار”: إعادة البناء، التمويل المشروط، الشرعية الدولية، القوة متعددة الجنسيات، والجهاز الأمني الانتقالي… كلها أدوات لإعادة تشكيل الحكم والأمن بعيدا عن ارادة الفلسطينيين. رفح تُطرح كنقطة اختبار؛ ليست مجرد إدارة محلية، بل مختبر سياسي–أمني. إذا نجح النموذج هناك، يُعمَّم. وإذا فشل، قد يُستخدم لتشديد الشروط. تسريبات تتحدث عن مارس 2026 كبداية محتملة لمسار النزع بعد تسلم حكومة تكنوقراط.
سواء كانت موعدًا نهائيًا أم أداة ضغط، الرسالة واضحة: الوقت ليس مفتوحًا. أمام المقاومة ثلاثة مسارات:
1) الرفض والصدام: احتمال استئناف العمليات العسكرية، تعطّل الإعمار، تصاعد دور الميليشيات، وانفجار داخلي. كلفة مرتفعة واحتمال نجاح محدود.
2) المقايضة السياسية: تحويل السلاح بدل تسليمه: إخراج سلاح الرمي البعيد ضمن صفقة بضمانات، دمج سلاح حفظ النظام في جهاز شرطة بمرجعية وطنية، منع الميليشيات وتجريمها، وضمان فتح المعابر بإطار ملزم. إعادة تموضع سياسي.
3) الانتظار والتفكك: الأخطر لأنه صامت: استنزاف، فوضى، صعود وكلاء، ثم تسليم بلا شروط. في غزة المنهكة، الأمن ليس مفهومًا نظريًا يمكن ان يدار من خلف الشاشات او عبر "الريموت كنترول".
هو :خبز، معبر مفتوح، مستشفى يعمل، مدرسة تعود. من يضمن الأمن اليومي… يربح السياسة. لهذا لا يدور الجدل حول مبدأ نزع السلاح فقط، بل حول توقيته وإدارته وضماناته.
هل يُدار التحول كقرار وطني يحمي المجتمع؟ أم يتحول إلى هندسة أمنية خارجية تعيد تشكيل القطاع دون ضمانات تمنع انهيار امني كبير؟ وعود المليارات تبقى داخل القاعات.
أما معركة ما بعد الحرب، فتُحسم في سؤال واحد: من يكتب شروط الأمن… ومن يقنع الناس أن الطريق المختار سيمنع جولة جديدة من الموت؟