تصريحات سموتريتش بين خطاب الحرب ومشروع الضم

الرسالة نت - خاص



تشكل تصريحات وزير المالية في حكومة الاحتلال، بتسلئيل سموتريتش، خلال الأشهر الأخيرة تحولا واضحا في طبيعة الخطاب السياسي الإسرائيلي تجاه الأراضي الفلسطينية، إذ انتقل من التلميح إلى الإعلان الصريح عن مشاريع تتعلق باجتياح قطاع غزة، ونزع سلاح المقاومة وفرض السيطرة الكاملة على الأرض.

ولم تعد هذه التصريحات مجرد مواقف ظرفية مرتبطة بتطورات ميدانية، بل باتت تعكس رؤية أيديولوجية متماسكة تسعى إلى إعادة صياغة الواقع السياسي والديمغرافي في كل من قطاع غزة والضفة الغربية.

وفي حديثه للإذاعة العامة الإسرائيلية، تحدث سموتريتش عن استعداد الجيش لاجتياح قطاع غزة مجددا، مشيرا إلى ما وصفه بدعم أميركي وشرعية دولية محتملة لمثل هذه الخطوة، ومؤكدا أن الاحتلال الكامل للقطاع خيار مطروح إذا لم يتم نزع سلاح حماس.

هذه التصريحات، التي تتزامن مع نقاشات سياسية داخل الحكومة الإسرائيلية، تكشف عن تصور يتجاوز العمليات العسكرية المؤقتة إلى مشروع طويل الأمد يعيد فرض السيطرة المباشرة على الأرض، بما يحمله ذلك من أبعاد سياسية واستراتيجية.

الهجرة كأداة ديمغرافية
في السياق ذاته، ربطت منظمات حقوقية إسرائيلية، من بينها بتسيلم، بين خطاب سموتريتش ومخططات أوسع تتعلق بتهجير الفلسطينيين وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، معتبرة أن ما يطرح اليوم ليس وليد اللحظة، بل جزء من برنامج أيديولوجي قديم يعود إلى ما قبل السابع من أكتوبر.

وعليه، فإن قراءة تصريحات سموتريتش تتطلب وضعها في إطار مشروع الضم والاستيطان الذي يشكل جوهر رؤية التيار القومي الديني المتطرف في إسرائيل.
وركز سموتريتش في تصريحاته الأخيرة على احتمال اجتياح قطاع غزة مجددا، متحدثا عن منح فرصة سياسية للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب للتحرك، وفي حال عدم تحقق ذلك، فإن الجيش الإسرائيلي –وفق قوله– سيعود لاحتلال القطاع.

هذا الطرح لا يتعامل مع غزة بوصفها ساحة مواجهة عسكرية محدودة، بل كمنطقة قابلة لإعادة الاحتلال الكامل وإعادة الإدارة المباشرة.

ولعل اللافت في التصريحات ليس فقط التهديد العسكري، بل الحديث عن "شرعية دولية" و"تنسيق مع الأميركيين"، ما يشير إلى محاولة توفير غطاء سياسي لتحول استراتيجي كبير. فالاحتلال المباشر لغزة، بعد سنوات من الانسحاب الأحادي عام 2005، يعني عمليا إلغاء أحد المرتكزات التي قامت عليها السياسة الإسرائيلية في العقدين الأخيرين، والعودة إلى نموذج السيطرة الشاملة.

وفي خطاب ألقاه أمام قادة المستوطنين خلال مؤتمر حزبه "الصهيونية الدينية"، تحدث سموتريتش صراحة عن تشجيع ما سماه "الهجرة الطوعية" للفلسطينيين من غزة والضفة الغربية.

هذا المصطلح، الذي يتكرر في أدبيات اليمين المتطرف، يحمل في جوهره بعدا ديمغرافيا واضحا، إذ يسعى إلى تقليص الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة، سواء عبر الضغط الاقتصادي أو الأمني أو من خلال خلق بيئة معيشية طاردة.

ويشير عدد من المراقبين إلى أن الحديث عن "الهجرة الطوعية" لا يمكن فصله عن السياسات الميدانية في الضفة الغربية، حيث تتوسع المستوطنات بوتيرة متسارعة، وتفرض قيود مشددة على البناء الفلسطيني والحركة.
وفي هذا السياق، تتحول الأدوات الاقتصادية والإدارية إلى وسائل ضغط غير مباشرة تدفع السكان إلى الرحيل دون إعلان رسمي عن التهجير القسري.

ويمثل فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية أحد المحاور المركزية في رؤية سموتريتش السياسية، فقد دعا مرارا إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو،

واعتبر أن فكرة الدولة الفلسطينية يجب أن تُطوى نهائيا. هذا الطرح ينسجم مع مشروع الضم الذي برز بقوة خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل حكومات يمينية متعاقبة.

ولا يقتصر الضم، في الرؤية التي يطرحها سموتريتش على إجراء قانوني بضم مناطق "ج" أو الكتل الاستيطانية الكبرى، بل يتعداه إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة الإسرائيلية والأراضي الفلسطينية، عبر تكريس السيادة الإسرائيلية الكاملة بين النهر والبحر.

وهذا يعني عمليا إلغاء أي أفق لحل سياسي قائم على دولتين، واستبداله بواقع أحادي تفرض فيه إسرائيل سيطرة أمنية وسياسية وديمغرافية مطلقة.

كما ويرتبط خطاب سموتريتش ارتباطا وثيقا بمشروع الاستيطان، سواء في الضفة الغربية أو في الحديث عن إمكانية استئناف الاستيطان في غزة، فالاستيطان، في العقيدة القومية الدينية ليس مجرد سياسة إسكانية، بل أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا وتثبيت الوقائع على الأرض.
وقد يُفسّر جزء من تصريحات سموتريتش في سياق حسابات انتخابية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة. غير أن مضمون الخطاب يشير إلى ما هو أبعد من التكتيك الانتخابي.

وتكشف تصريحات بتسلئيل سموتريتش الأخيرة عن انتقال واضح من إدارة الصراع إلى محاولة حسمه وفق رؤية أيديولوجية توسعية تسعى إلى فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الأراضي الفلسطينية، وتقليص الوجود الفلسطيني فيها.

ومن خلال الربط بين اجتياح غزة، وتشجيع الهجرة الطوعية وتوسيع الاستيطان وفرض الضم، يتضح أن الخطاب يعكس مشروعا متكاملا يتجاوز حدود اللحظة الراهنة، ويؤسس لمسار طويل الأمد يعيد تشكيل الواقع السياسي والديمغرافي في المنطقة.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير