عشرات الأئمة والشهداء غابوا.. غزة ترفع صوت الإيمان في رمضان رغم الفقدان

الرسالة نت - متابعة


كان شهر رمضان في قطاع قطاع غزة يبدأ بصوتٍ قبل أن يبدأ برؤية الهلال، أصوات ندية ترتفع من مآذن المساجد، يتنافس أصحابها في ترتيل القرآن وإحياء ليالي القيام، فتغدو الأحياء نابضة بخشوع خاص، ويغدو المسجد قلب الحي وروحه.

اعتاد الغزيون أن يترقبوا أسماء الأئمة الذين سيؤمونهم في التراويح، وأن يتنقلوا بين المساجد بحثًا عن صوتٍ يخشع له القلب، أو دعاءٍ يلامس الوجدان في الثلث الأخير من الليل. 

بعض هؤلاء الأئمة لم تقتصر أصواتهم على غزة؛ بل كانوا يُدعون في مواسم رمضان إلى دولٍ إسلامية لإمامة المصلين في صلاة التراويح، في مشهد يعكس حضورهم الديني وتأثيرهم الروحي العابر للحدود.

لكن رمضان هذا العام يأتي مختلفًا، فالعشرات من أولئك الأئمة والخطباء والوعاظ الذين شكّلوا ذاكرة الشهر وطقوسه، غابوا بعد أن استشهدوا خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع، فيما تحوّلت مئات المساجد إلى ركام، وتبدّلت ملامح المشهد الرمضاني الذي عرفه الفلسطينيون لعقود.

وفق وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة، قتلت إسرائيل خلال عامي الحرب 312 خطيبًا وواعظًا وإمامًا ومُحفّظًا للقرآن، فيما دمّرت 1050 مسجدًا بشكل كلي، و191 مسجدًا بشكل جزئي، من أصل 1275 مسجدًا كانت قائمة قبل اندلاع الحرب. أرقام لا تعكس فقط حجم الخسارة البشرية والمادية، بل تختزل ضربة عميقة للبنية الدينية والاجتماعية التي شكّلت ركيزة الحياة اليومية في القطاع.

وفي الأحياء التي كانت تمتلئ بالمصلين، يقيم الأهالي اليوم صلواتهم في خيام من الخشب والنايلون أُقيمت على أنقاض المساجد أو بجوار ركامها، أو بين جدران متصدعة لمبانٍ أصابها دمار جزئي. 

لا مآذن شاهقة ولا مكبرات صوت قوية؛ فقط صفوف متراصة تحت أقمشة مهترئة، وأصوات تحاول أن تستعيد شيئًا من أجواء رمضان التي سكنت المكان يومًا.
مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، أكد أن إسرائيل استهدفت خلال حربها "رموزًا دينية واجتماعية كانت تؤدي دورًا محوريًا في الوعظ والإرشاد وتعزيز السلم المجتمعي وترسيخ القيم الروحية".
 وأضاف أن الشعب الفلسطيني يفتقد في رمضان "عشرات الأصوات التي كانت تُحيي لياليه وتملأ مساجده خشوعًا وإيمانًا".

وأشار الثوابتة إلى أن الخسائر لم تقتصر على المسلمين؛ إذ فقدت الطوائف المسيحية في غزة أيضًا 20 من أبنائها خلال استهداف دور العبادة المسيحية، ما يعكس اتساع دائرة الاستهداف لتشمل البنية الدينية للمجتمع الفلسطيني بمختلف مكوناته.

ووفق تقديرات أولية، بلغت الخسائر المباشرة في القطاع الديني نحو مليار دولار، إلى جانب تعرّض المقابر للتجريف والاستهداف، في مشهد يضيف بعدًا رمزيًا قاسيًا لحجم الدمار.

ومع ذلك، يؤكد الثوابتة أن الفلسطينيين يواصلون أداء صلواتهم وإحياء شعائرهم في المساجد المتبقية أو في مراكز الإيواء والخيام، في تأكيد عملي على تمسكهم بحقهم في العبادة وممارسة شعائرهم الدينية، وهو حق تكفله قواعد القانون الدولي الإنساني. واعتبر أن استهداف رجال الدين ودور العبادة يمثل "انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، واعتداءً مباشرًا على الحماية الخاصة المقررة للأعيان الدينية".

في غزة اليوم، لا تتنافس الأصوات كما كانت تفعل في ليالي القيام، ولا تتزاحم المساجد بالمصلين كما اعتادت. غير أن روح رمضان لا تزال حاضرة، ولو بين الركام. 
فحين يرتفع الأذان من خيمة صغيرة، أو تُقام صلاة التراويح في ساحة مدمّرة، يتجلى معنى آخر للصمود؛ معنى يؤكد أن استهداف البنية الدينية والرمزية للمجتمع الفلسطيني لن ينجح في كسر إرادته أو طمس هويته الحضارية والدينية.

رمضان في غزة لم يعد كما كان، لكن الذاكرة حية، والأصوات التي غابت عن المآذن ما زالت تتردد في القلوب، شاهدة على زمنٍ كان، وعلى شعبٍ يصرّ أن يبقي شعائره حيّة مهما اشتدّ الحصار وتكاثف الركام.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير