في خيام النزوح، لم يعد لشهر رمضان تلك الملامح التي اعتادتها العائلات الفلسطينية. غابت موائد الإفطار الجامعة، وتلاشت العزائم العائلية، وانقطعت زيارات صلة الرحم التي كانت تُنعش البيوت بالدفء والضحكات.
هنا، حيث تضيق المساحة ويثقل الهمّ، بات رمضان أقرب إلى طقس صامت منه إلى موسم فرح.
داخل الخيمة، تجتمع أسرة كاملة حول وجبة بسيطة، لا طاولة تتّسع للجميع، ولا مكان لاستقبال الأقارب أو الجيران.
تقول أم محمد: “كنا نجتمع كل يوم عند أحدنا، اليوم بالكاد نجتمع نحن وأطفالنا داخل الخيمة. لا نستطيع دعوة أحد، ولا حتى زيارة أهلنا في الخيام المجاورة بسبب ضيق المكان وقسوة الظروف”.
لم تسرق الخيام المساحة فقط، بل سلبت طقوسًا
اجتماعية متجذّرة ؛ من تبادل الأطباق، إلى السهرات العائلية بعد التراويح، وصولًا إلى جلسات الدعاء الجماعي. الأطفال بدورهم فقدوا بهجة الفوانيس والزيارات، واستبدلوها بانتظار المساعدات أو اللعب قرب ممرات موحلة بين الخيام.
أما أبو خالد (60 عامًا)، فيعبّر بحسرة قائلاً:“كنت أتنقّل كل مساء بين بيوت إخوتي وأبنائي، أما الآن فأجلس أمام الخيمة أنتظر أذان المغرب بصمت. لا مجال لصلة الرحم كما كنا نفعل، لكن الظروف أقسى من أن تسمح بالزيارةالأماكن ضيقة ولا مكان للجلوس في الخيام ولا حتى خارجها، كما أن العائلة تفرقت مابين شمال القطاع وجنوبه"
ويتابع بحسرة:"الخيمة ألغت عادات جميلة كانت تجمعنا وتخفف عنا مشقة الصيام”.
وتروي الطفلة مريم (10 أعوام) بحزن طفولي:“كنت أزور جدتي كل يوم في رمضان، وألعب مع بنات خالاتي بعد الإفطار. الآن لا أرى أحدًا بعد أن بقوا في المنكقة والوسطى وعدنا نحن إلى الشمال، أجلس قرب الخيمة وأنتظر أذان المغرب اشتقت لرمضان في بيتنا"
ويترك غياب هذه الطقوس أثرًا نفسيًا عميقًا، خاصة على الأطفال وكبار السن، إذ يُعدّ رمضان موسمًا للتواصل والدعم المعنوي، وهو ما بات مفقودًا في واقع النزوح.
ورغم قسوة المشهد، يحاول النازحون الحفاظ على ما تبقى من روح الشهر؛ بتمرير طبق بسيط إلى خيمة مجاورة، أو بتبادل التهاني عند الغروب، في محاولة لترميم ما هدمته الخيام من روابط اجتماعية. إلا أن السؤال يبقى حاضرًا: إلى متى يبقى رمضان بلا عزائم ولا زيارات، وتبقى الخيمة بديلًا عن البيت واللمة والفرح؟