رمضان في سجن الدامون.. شهادات أسيرات فلسطينيات عن الجوع والحرمان

خاص-الرسالة نت

في فلسطين، لا يأتي شهر رمضان كما في بقية البيوت. هناك ما يقارب سبعين عائلة تستقبل الشهر الفضيل بكرسي فارغ على مائدة الإفطار؛ كرسي لا يرمز فقط لغياب جسد، بل لروحٍ كانت تشارك تفاصيل الحياة اليومية، وتملك حقها الطبيعي في العبادة ولمّ الشمل.

 

أمهات في الأسر وأطفال بلا دفء

وتشير المعطيات إلى وجود نحو 24 أسيرة فلسطينية داخل سجون الاحتلال، معظمهن محتجزات في سجن الدامون. بينهن أمهات انتُزعن من بيوتهن، تاركات أطفالًا يواجهون رمضان بلا حضن الأم، وبلا طقوس التحضير للإفطار أو بهجة السحور.

وفي المقابل، تعيش أمهات أخريات ألم الفراق من الجهة الأخرى؛ موائدهن متواضعة، لكن الغصّة أكبر من الجوع، إذ يمتزج الطعام بالشوق والقلق على بناتهن خلف القضبان.

وتُعتقل غالبية الأسيرات على خلفية اتهامات تتعلق بـ"التحريض" عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومن بينهن صحفيات ومحاميات ومهندسات وطالبات جامعيات، إضافة إلى قاصرات حُرمن من استكمال تعليمهن.

 

طفلة تواجه الفقد مرتين

ومن بين القصص التي تلخص معاناة العائلات، قصة الطفلة إيلياء مليطات، التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها، لكنها وجدت نفسها وحيدة بعد اعتقال والديها.

والدها، الأسير مصعب مليطات، أُعيد اعتقاله في 21 أيلول/سبتمبر 2025 ضمن ملف الاعتقال الإداري المتجدد، فيما تقبع والدتها الأسيرة أسيل مليطات في السجن منذ 3 حزيران/يونيو 2025.

رمضان يمر على العائلة مشتتًا بين الجدران العالية. كان يفترض بإيلياء أن تشارك والدتها إعداد الإفطار، أن تراجع دروسها إلى جوارها، أن تختلف معها حول تفاصيل السحور. لكنها اليوم تنتظر أخبارهما عبر زيارات المحامين، في عمر كان ينبغي أن تنشغل فيه بألعابها الصغيرة لا بمفاهيم الاعتقال والسجن.

 

شهادات أسيرات محررات

وبحسب مكتب إعلام الأسرى، روت الأسيرة المحررة دلال فواز الحلبي (55 عامًا) من بلدة روجيب – نابلس، والتي اعتُقلت إداريًا مطلع عام 2025 وأُفرج عنها بعد عام، تفاصيل قاسية عن رمضان داخل السجن.

تقول إنها ورفيقاتها لم يعرفن بداية الشهر بدقة، واضطررن لطلب إمساكية من إدارة السجن. لاحقًا اكتشفن أن المواعيد كانت خاطئة وأن الإفطار تم قبل الوقت المحدد، ما أثار جدلًا بين الأسيرات حول قضاء الأيام. وبعد ذلك، مُنع إدخال الإمساكيات بشكل كامل.

وتضيف أن الوجبات الثلاث كانت تُسلَّم دفعة واحدة قبل الإفطار، وغالبًا باردة جدًا، حتى الشاي – الذي يفترض أن يكون متنفسًا دافئًا – كان يُقدّم باردًا.

 

الطعام كسلاح ضغط

ومن جانبها، أكدت الصحفية المحررة رولا إبراهيم حسنين، التي اعتُقلت في 19 آذار/مارس 2024 وأمضت عشرة أشهر في الأسر، أن كميات الطعام كانت محدودة جدًا ونوعيته متدنية، في إطار سياسة ضغط متعمدة، وفق وصفها. 

كما أشارت إلى مصادرة أدوات المطبخ والمقتنيات الشخصية.

بدورها، تحدثت الصحفية بشرى الطويل، التي أعيد اعتقالها إداريًا بعد الإفراج عنها، عن ظروف غذائية وصحية صعبة، مشيرة إلى أن الشوربة كانت أقرب إلى ماء خالٍ من القيمة الغذائية، وأن مياه الشرب لم تكن نظيفة، إضافة إلى عراقيل في أداء الصلاة وقراءة القرآن.

 

تفاصيل يومية من المعاناة

بحسب شهادات الأسيرات أن الفاكهة تكاد تكون معدومة، والخضار أحيانًا غير صالحة للاستهلاك، والأرز يُقدَّم بكميات قليلة، وبيضة واحدة يوميًا غالبًا شديدة السلق، وست قطع خبز خلال 24 ساعة، ولا مراعاة خاصة لمرضى السكري أو أصحاب الأمراض المزمنة.

بالإضافة إلى أن العلاج الطبي يقتصر غالبًا على مسكنات بسيطة، وإعادة الطعام التالف قد تقابل بعقوبات، ما يضع الأسيرات أمام خيارين: الجوع أو القبول بما هو متاح.

 

رمضان بين الصبر والحرمان

ويمثل رمضان داخل سجن الدامون اختبارًا قاسيًا للجسد والروح؛ نقص في الغذاء، قيود على الشعائر الدينية، وحرمان من الزيارات العائلية.

ومع ذلك، تتمسك الأسيرات بصيامهن وطقوسهن قدر المستطاع، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من روح الشهر، وكأنهن يؤكدن أن الإرادة الإنسانية قادرة على تجاوز القضبان.