في كل عيد، كانت أصوات العملات المعدنية تتراقص في جيوب الأطفال، وتتحول "العيدية" إلى طقسٍ مبهجٍ يحمل في طياته فرحًا خالصًا لا يُشبهه شيء. غير أن هذا المشهد بات يتلاشى تدريجيًا، مع تفاقم أزمة حادة في العملات المعدنية و"الفِكّة"، ما حرم الأطفال من واحدة من أبسط مظاهر البهجة، ودفع الأهالي إلى اللجوء إلى بدائل إلكترونية تفتقر إلى روح العيد.
ويأتي هذا العيد تحديدًا بوصفه الأول بعد الحرب، وسط تحسّن نسبي في بعض جوانب الحياة اليومية، الأمر الذي رفع سقف التوقعات لدى السكان باستعادة مظاهر الفرح التقليدية. إلا أن أزمة السيولة، وغياب الفئات النقدية الصغيرة، بدّدا جانبًا من هذه الآمال.
ومع اقتراب العيد، تتصاعد شكاوى المواطنين من صعوبة الحصول على فئات نقدية صغيرة، سواء من البنوك أو الأسواق، في ظل شُحّ واضح في السيولة النقدية، خاصة العملات المعدنية. ويقول مواطنون إنهم يضطرون للبحث لساعات أو شراء "الفِكّة" بزيادة على قيمتها، فقط لتأمين عيدية لأطفالهم، دون جدوى في كثير من الأحيان.
هذا النقص الحاد لم يقتصر تأثيره على المعاملات اليومية فحسب، بل امتد إلى العادات الاجتماعية المتوارثة، وفي مقدمتها "العيدية"، التي تشكل جزءًا أصيلًا من ذاكرة الطفولة وطقوس الأعياد. فبدلًا من تسليم الأطفال نقودًا ورقية أو معدنية بأيدي الكبار، بدأ البعض بتحويل مبالغ مالية عبر تطبيقات الدفع الإلكتروني أو المحافظ الرقمية، في مشهد غير مألوف.
وتروي إحدى الأمهات أن طفلها لم يشعر بفرحة العيد هذا العام كما في السابق، قائلة: "حولنا له العيدية على الهاتف، لكنه ظل يسأل: وين المصاري اللي بدي أمسكها بإيدي؟"
ولم تقف تداعيات الأزمة عند الأطفال، بل طالت الكبار أيضًا، خاصة أولئك الذين ارتبطت لديهم "العيدية" بطقوس إنسانية عميقة. يقول أبو محمد، وهو موظف في الأربعينيات من عمره، إنه اعتاد في كل عيد أن يزور شقيقاته، ويقدم لهن العيدية يدًا بيد بعد السلام، متأملًا فرحتهن وفرحة أطفالهن بتلك اللحظة.
ويضيف: "كنت أنتظر هذه اللحظة كل عام... أعطي العيدية وأشوف الفرحة بعينهم، هذا جزء من العيد بالنسبة إلي". لكن هذا العام، وجد نفسه مضطرًا لتحويل المبالغ عبر الهاتف، بسبب عجزه عن توفير "الفِكّة".
ويتابع بنبرة يغلب عليها الحرج: "حسّيت حالي كأني ما عيّدت عليهم... كأن في شيء ناقص، حتى السلام ما كان له نفس المعنى".
وفي السياق القانوني، يرى مختصون أن استمرار أزمة السيولة لا ينفصل عن القيود المفروضة على إدخال الأموال، إذ يُعدّ منع إدخال السيولة انتهاكًا واضحًا للاتفاقيات الدولية. وبحسب المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة، فإن تعميق هذه الأزمة يمكن أن يُصنّف ضمن أشكال العقوبات الجماعية المحظورة دوليًا. كما تنصّ المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية على حقّ الأفراد في وجود نظام نقدي فعّال ييسّر التعاملات المالية، وهو ما يفتقده المواطنون في غزة اليوم.
في المقابل، يبرر بعض الأهالي هذا التوجه بغياب البدائل، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، وصعوبة الوصول إلى السيولة النقدية. كما يشير آخرون إلى أن التعاملات الرقمية باتت واقعًا مفروضًا، حتى في المناسبات الاجتماعية.
لكن، وبين تحسّن نسبي يلوح في الأفق وواقع اقتصادي يقيّد تفاصيل الحياة، يبقى السؤال حاضرًا: هل يمكن للعيدية الإلكترونية أن تعوّض دفء "النقود الملموسة" في يد طفل؟ وهل تستطيع أن تحل محل لحظة إنسانية ينتظرها الكبار قبل الصغار؟
في المحصلة، لا تبدو أزمة العملات المعدنية مجرد أزمة نقدية عابرة، بل تحوّلًا أعمق يطال تفاصيل الحياة اليومية، ويعيد تشكيل طقوس الفرح نفسها، في أول عيدٍ بعد الحرب، حيث كان الأمل باستعادة البهجة أكبر... لكن "الفِكّة" الغائبة سرقت جزءًا منها.