الطفل محمد صالح..قدمٌ واحدة… وحلمٌ لم يُقصف

الرسالة نت - خاص


في زاوية غرفةٍ صغيرة في غزة، يجلس محمد صالح بصمت. لا يتكلم كثيرًا، كأن الكلمات أصبحت أثقل من أن تُقال. تتولى والدته الحديث عنه، تُكمل الجُمل التي يعجز هو عن إنهائها، وتروي تفاصيل حياةٍ انقسمت إلى نصفين: ما قبل القصف… وما بعده.

بقدمٍ واحدة، يحاول محمد أن يركل كرةً صغيرة أمامه. يدفعها قليلًا إلى اليمين، ثم يحاول أن يعيدها إلى اليسار، لكنها تفلت منه. يتوقف، ينظر إليها طويلًا، ثم يُخفض عينيه. لا يغضب، لا يصرخ… فقط يصمت.
تقول والدته بصوتٍ مثقل: "كان يعشق كرة القدم… كان يقضي ساعاتٍ طويلة في اللعب، يحلم أن يصبح لاعبًا معروفًا. لم يكن فقط لاعبًا جيدًا، بل كان متفوقًا في دراسته أيضًا… كان كل شيء فيه جميلًا."

في مدرسة الشاطئ غرب غزة، حيث يفترض أن تكون الساحات مكانًا للضحك والركض، تغيّر كل شيء في لحظة. قصفٌ جويٌ عنيف حوّل المكان إلى فوضى، وسرق من محمد ساقه اليمنى… ومعها جزءًا كبيرًا من أحلامه.
منذ ذلك اليوم، لم يعد محمد كما كان. لم يعد يتحدث كثيرًا، ولم يعد يركض خلف الكرة. صار ينظر إليها من بعيد، كأنها تذكير دائم بما فقده.

تتابع والدته، وهي تحاول أن تبدو قوية:"أنظر إليه أحيانًا… فأجده يبكي بصمت. لا يريد أن يتكلم، لا يريد أن يشتكي. فقط ينظر… وكأن داخله كلامًا لا يُقال."
ورغم كل ذلك، لم يتخلَّ محمد عن شيء واحد: دراسته.
ما زال يكتب واجباته بجدٍ واجتهاد، يفتح كتبه يوميًا، ويُحاول أن يتمسك بما تبقى له من تفوقه القديم. كأن العلم أصبح طريقه الوحيد ليُثبت أن ما كُسر فيه لم يُنهه بالكامل.
ومحمد جزء من مشهدٍ أوسع وأقسى في قطاع غزة. فبحسب تقديرات صادرة عن جهات أممية وطبية حتى عام 2025: فقد تجاوز عدد الأطفال الشهداء في غزة أكثر من 14,000 طفل. فيما أُصيب أكثر من 30,000 طفل بجروح مختلفة، كثير منها خطير أو دائم.
وتشير تقارير إلى أن عدد الجرحى بشكل عام في القطاع تجاوز 70,000 إصابة.
أما فيما يتعلق بالبتر، وهو الجرح الذي غيّر حياة محمد: تُقدّر منظمات دولية أن هناك ما بين 1,000 إلى 1,500 حالة بتر في غزة خلال الحرب.
نسبة كبيرة من هذه الحالات هي لأطفال، ما جعل غزة تُوصَف بأنها تضم واحدة من أعلى نسب الأطفال مبتوري الأطراف في العالم خلال فترة زمنية قصيرة.
كما يحتاج آلاف المصابين إلى أطراف صناعية وخدمات تأهيل، في ظل نقص حاد في الإمكانيات الطبية.
وفي المستشفيات، تتكرر الحكاية: أطفالٌ بأجسادٍ صغيرة وندوبٍ كبيرة، بعضهم فقد ساقًا، وآخر ذراعًا، وآخرون ينتظرون دورهم في غرف العمليات.

"أريد أن أفعل له شيئًا… ولا أستطيع"، تقول والدة محمد، قبل أن تضيف بصوتٍ يكاد ينكسر: "كل ما أريده الآن… أن يركب طرفًا صناعيًا. فقط هذا. ربما يعود ليمشي، ربما يعود ليحلم."

لكن محمد، بصمته وإصراره، يُمسك بخيطٍ رفيع من الأمل… خيطٍ يقول إن الحلم، حتى وإن فقد قدمًا، لا يزال قادرًا على الوقوف.