بطن الهوى في سلوان… تهجير قسري يتصاعد في قلب القدس

غزة- الرسالة نت

في مشهد يتكرر منذ سنوات في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح الأربعاء، حيّ بطن الهوى وأخلت 11 منزلاً فلسطينياً مأهولاً، في خطوة جديدة ضمن مسار متواصل من عمليات الإخلاء والاستيلاء التي تستهدف سكان الحي لصالح الجمعيات الاستيطانية.

وأفادت محافظة القدس بأن قوات الاحتلال أجبرت نحو 65 فلسطينياً على مغادرة منازلهم، بينهم نساء وأطفال، بعد إخلاء شقق تعود لعائلة الرجبي، شملت أربع شقق لعائلة يعقوب وإخوانه، وشقة لعائلة رزق صلاح، وخمس شقق لعائلة نضال الرجبي وإخوانه، إضافة إلى شقة فتحي الرجبي.

وجاءت هذه العملية بالتزامن مع استيلاء مستوطنين على شقتين أخريين في البلدة تعودان لعائلة بصبوص، في مؤشر جديد على تسارع عمليات السيطرة على الممتلكات الفلسطينية في سلوان.

حيّ تحت التهديد

تعدّ بطن الهوى واحدة من أكثر مناطق القدس الشرقية استهدافاً بقرارات الإخلاء، إذ تتعرض عشرات العائلات الفلسطينية لخطر الطرد من منازلها في إطار مشروع استيطاني واسع يسعى إلى تغيير الطابع الديمغرافي للمنطقة المحيطة بالبلدة القديمة.

ووفق معطيات حقوقية حتى شباط/فبراير 2026، يواجه أكثر من 2200 فلسطيني في حي بطن الهوى خطر التهجير الفوري، يشكلون نحو 90 عائلة، بينهم ما يقارب 200 طفل.

وخلال السنوات الأخيرة، تم بالفعل تهجير أكثر من 30 عائلة فلسطينية من الحي، بعد صدور قرارات قضائية (إسرائيلية) سمحت للجمعيات الاستيطانية بالاستيلاء على المنازل وتسليمها لمستوطنين.

وفي أواخر عام 2025، أصدرت المحاكم (الإسرائيلية) سلسلة أحكام قضت بإخلاء 157 فلسطينياً من سكان الحي، بعد رفض الالتماسات التي قدمتها العائلات للطعن في قرارات الإخلاء. وفي بعض الحالات، أُجبرت العائلات المهجّرة على دفع تعويضات مالية كبيرة للمستوطنين الذين استولوا على منازلهم.

سلوان… جغرافيا الصراع

تقع بلدة سلوان مباشرة إلى الجنوب من البلدة القديمة في القدس، وتُعد من أكبر التجمعات الفلسطينية في المدينة، إذ يقدّر عدد سكانها بما يتراوح بين 45 و50 ألف فلسطيني.

وتكمن أهمية البلدة الاستراتيجية في قربها من المسجد الأقصى والبلدة القديمة، ما يجعلها هدفاً رئيسياً للمشاريع الاستيطانية (الإسرائيلية) التي تسعى إلى إحكام السيطرة على ما يعرف باسم "الحوض المقدس"، وهو نطاق جغرافي يحيط بالبلدة القديمة ويضم عدة أحياء فلسطينية مثل الشيخ جراح، الطور، وادي الجوز، ورأس العامود.

وتقول منظمات حقوقية إن السيطرة على بطن الهوى تشكل جزءاً من خطة أوسع تهدف إلى خلق تواصل جغرافي استيطاني حول البلدة القديمة، وعزل الأحياء الفلسطينية عن بعضها البعض، بما يعزز الهيمنة (الإسرائيلية) على شرق القدس.

الجمعيات الاستيطانية في الواجهة

تقود جمعيات استيطانية، أبرزها "عطيرت كوهانيم" و"إلعاد"، جهود السيطرة على العقارات الفلسطينية في سلوان، مستندة إلى منظومة قانونية إسرائيلية تتيح لها المطالبة بأملاك يهودية مزعومة تعود إلى ما قبل عام 1948.

وتستند عمليات الإخلاء في بطن الهوى بشكل أساسي إلى قانون أملاك الغائبين لعام 1950 وقانون التسويات القضائية والإدارية لعام 1970، اللذين يسمحان لليهود بالمطالبة بعقارات كانوا يملكونها قبل عام 1948، بينما يُحرم الفلسطينيون من المطالبة بممتلكاتهم التي فقدوها في الفترة ذاتها.

ومن خلال هذه القوانين، تنقل سلطات الاحتلال إدارة بعض الممتلكات إلى ما يسمى الوصي العام، وهو جهاز حكومي يقوم لاحقاً بنقل إدارتها إلى جمعيات استيطانية. وقد نُقلت في عام 2001 إدارة "وقف بنبنيشتي" إلى جمعية "عطيرت كوهانيم"، التي تستخدمه أساساً قانونياً للمطالبة بالأراضي المقامة عليها منازل فلسطينية في بطن الهوى.

حياة تحت الضغط

لا يقتصر الضغط على سكان الحي على القرارات القضائية، بل يمتد إلى الحياة اليومية داخل الحي. فمع انتقال المستوطنين إلى المنازل التي يتم الاستيلاء عليها، يرافقهم حراس أمن مسلحون وتمويل حكومي كبير لتوفير الحماية.

ويقول سكان الحي إن وجود المستوطنين أدى إلى زيادة كبيرة في انتشار قوات الشرطة وحرس الحدود، الأمر الذي ينعكس في احتكاكات يومية واعتقالات متكررة، بما في ذلك اعتقال قاصرين.

كما يشكو السكان من إهمال بلدية القدس للبنية التحتية والخدمات الأساسية في الأحياء الفلسطينية، مثل الطرق غير المعبدة وضعف الإنارة وتراكم النفايات، في مقابل توفير خدمات متطورة للمستوطنات والبؤر الاستيطانية داخل الحي.

ويحذر حقوقيون من أن عمليات الإخلاء في بطن الهوى قد تتحول إلى أكبر عملية تهجير جماعي للفلسطينيين في القدس الشرقية منذ احتلالها عام 1967، في حال تنفيذ جميع أوامر الإخلاء الصادرة بحق العائلات الفلسطينية.

وفي موازاة ذلك، يواجه سكان حي البستان المجاور خطر الهدم، حيث هُدم 35 منزلاً حتى شباط/فبراير 2026، فيما صدرت أوامر هدم بحق 17 منزلاً آخر ضمن مخطط بلدية القدس لإقامة ما يسمى "حديقة الملك" على أراضي الحي.

ويرى مراقبون أن هذه المشاريع تشكل حلقات متكاملة في سياسة إسرائيلية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد الديمغرافي في القدس الشرقية عبر تهجير السكان الفلسطينيين وتوسيع الاستيطان حول البلدة القديمة.

بين القضاء والواقع

ورغم لجوء العائلات الفلسطينية إلى المحاكم الإسرائيلية للطعن في قرارات الإخلاء، فإن معظم الالتماسات رُفضت، فيما اعتبرت منظمات حقوقية أن الجهاز القضائي الإسرائيلي أصبح جزءاً من منظومة تشرعن عمليات الاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية.

وفي ظل استمرار هذه الإجراءات، يعيش سكان بطن الهوى حالة من القلق والترقب، وسط مخاوف من أن تتحول معركتهم للبقاء في منازلهم إلى فصل جديد من فصول التهجير القسري الذي يطال الفلسطينيين في القدس.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير