قائمة الموقع

مقال: رحمٌ تحت الحصار!

2026-03-26T14:00:00+02:00
رشا فرحات

تحدّث إليّ أحد الشباب قائلاً إنه تزوّج قبل الحرب بعام، وحتى هذه اللحظة لم يُنجب بقرارٍ منه وزوجته، لأنه لا يريد أن يُقدّم لهذا العالم طفلًا هشًا، معرضًا للكثير من الأمراض، ومحرومًا من العلاج الحقيقي الذي يستحقه أي رضيع.

طفل قد يُولد في ظل مجاعة، ونقصٍ حاد في الحليب، وانعدامٍ في أبسط مستلزمات الحياة. بل إنه لا يضمن حتى أن تلد زوجته ولادةً طبيعية آمنة، دون أن تنزلق إلى عالمٍ آخر، لأن رحلة الحمل ذاتها، الممتدة لتسعة أشهر، باتت مهددة بالموت في كل لحظة.

هذا خوف فرضه الاحتلال على الشعب الفلسطيني في غزة؛ عنفٌ إنجابي من نوعٍ آخر، يُسقِطه الاحتلال على نساء غزة ورجالها المتزوجين.

ما يقوله هذا الشاب هو خطر يهدد جيلًا كاملًا يعيش تحت وطأة الخوف من الإنجاب، لا الرغبة فيه. فالأرقام نفسها تكشف حجم التحول القاسي: فقد انخفض عدد المواليد في غزة بشكل حاد، إذ لم يتجاوز عدد الولادات 17 ألفًا خلال النصف الأول من عام 2025، مقارنة بنحو 29 ألفًا في الفترة نفسها قبل الحرب، أي تراجع يقارب 41%.

هذه ليست مجرد أرقام ديموغرافية، بل مؤشرات على واقع يُعاد فيه تشكيل قرار الإنجاب بالقوة. حين يتراجع عدد المواليد بهذا الشكل، فذلك لا يعني فقط أن الحياة تتقلص، بل أن الناس يُجبرون على تأجيلها.

هنا يتحول العنف الإنجابي إلى سياسة واقع: بيئة كاملة تُصنع لتجعل الإنجاب مخاطرة.

ففي غزة، لا يُمنع الناس صراحةً من الإنجاب، لكن تُسحب منهم شروطه الأساسية: مستشفيات تُقصف، رعاية صحية شبه منهارة، أدوية مفقودة، وأمهات يواجهن الحمل بلا متابعة طبية حقيقية. حتى الولادة نفسها لم تعد لحظة أمان، بل لحظة خطر. وقد ارتفعت وفيات الأمهات بشكل صادم، وتزايدت حالات الولادة المبكرة والأطفال ناقصي الوزن، في بيئة لا تحتمل حياة جديدة.

الأثر النفسي لا يقل قسوة. أن يُفكّر الأب في احتمالية أن يفقد طفله قبل أن يحمله، أو أن تعيش الأم حملها وهي تخشى الموت في كل شهر، هو شكل عميق من أشكال القهر غير المرئي. إنه عنف لا يُمارس فقط بالقصف، بل بزرع الخوف داخل القرار الأكثر صعوبة: أن لا تُنجب لأن الحياة نفسها أصبحت مهددة منذ لحظتها الأولى. وهذا هو أخطر أشكال العنف الإنجابي؛ أن يُجبر الإنسان على الاختيار بين حلم الأبوة والأمومة، وبين احتمال الفقد.

في النهاية، ما يحدث ليس مجرد تراجع في عدد المواليد، بل تراجع في الأمان، وفي القدرة على الحلم، وفي حق الإنسان أن يرى امتداده في طفل. وفي مكانٍ يُفترض أن تكون فيه الولادة بداية، أصبحت أحيانًا مغامرة قد لا تُكتمل.

اخبار ذات صلة