في غرفةٍ يثقلها الألم، يجلس الدكتور أحمد أشرف يونس، طالب السنة الخامسة في كلية طب الأسنان، ممسكًا بحلمه الذي يكاد يفلت من بين يديه. لم يعد الأمر مجرد إصابة عابرة أو جرح يمكن احتماله؛ بل معركة يومية مع الوجع، ومع خوفٍ يتعاظم من أن يخسر مستقبله المهني قبل أن يبدأ.
أحمد، الذي كرّس سنوات عمره لدراسة طب الأسنان ليكون يومًا طبيبًا يخفف آلام الآخرين، يجد نفسه اليوم على الجانب الآخر من المعاناة، ينتظر من يمدّ له يد النجاة.
تعرض الشاب لإصابة بالغة تسببت في كسر وتهتك شديد في عظم الفك، مع فقدان جزء أساسي من الكتلة العظمية. وخضع في وقت سابق لعملية جراحية معقدة تم خلالها تركيب شريحتين من التيتانيوم كحل مؤقت، إلى حين إجراء عملية زراعة العظم اللازمة لترميم الفك.
لكن ما كان إجراءً مؤقتًا تحوّل مع مرور الوقت إلى خطر يهدد حياته.
فبحسب المناشدة العاجلة الموجهة إلى منظمة الصحة العالمية، تجاوزت الشرائح المعدنية المدة الطبية المسموح ببقائها، وبدأت تظهر مضاعفات خطيرة؛ إذ أصيب مكانها بالتهاب حاد ينذر بوصول العدوى إلى العظم، وربما تطور الأمر إلى تسمم دموي إذا لم يتم التدخل سريعًا.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد بدأت البراغي الجراحية بالبروز خارج موضعها، مسببة آلامًا لا تحتمل، إلى جانب تشوهات وظيفية تؤثر على قدرته على الأكل والكلام، فضلًا عن الخطر الكبير على استكمال علاجه الأكاديمي ومسيرته المهنية.
في كل يوم يمر، يزداد الوجع، ويزداد القلق. شاب كان يستعد لارتداء معطفه الأبيض كطبيب، بات اليوم يناشد العالم كي لا يفقد فكه ومستقبله معًا.
الحالة، بحسب ما ورد في المناشدة، تحتاج بشكل فوري وحاسم إلى عملية زراعة عظم (Bone Graft) وتدخل جراحي تخصصي عالي الدقة لترميم الفك، وهي خدمات لا تتوفر حاليًا بالمعدات والإمكانات المطلوبة في ظل الظروف الراهنة.
وتؤكد الأسرة أن هناك تحويلة رسمية صادرة عن وزارة الصحة تمت الموافقة عليها، وأن الملف الآن بانتظار تدخل منظمة الصحة العالمية واستكمال إجراءات التنسيق والإجلاء الصحي.
إنها ليست مجرد قصة مريض ينتظر العلاج، بل حكاية طبيب شاب يقف على الحد الفاصل بين الحلم والانكسار، بين مقاعد الدراسة وغرفة العمليات، وبين الأمل في إنقاذ مستقبله والخوف من أن يضيع كل ما بناه في سنوات طويلة من الاجتهاد.
أرقام ثقيلة على مارف الهاوية في قطاع غزة، تحمل وجوهًا وقصصًا لا تُروى. أكثر من 171 ألف مصاب سُجّلوا منذ بداية العدوان، فيما لا يزال أكثر من 20 ألف مريض وجريح يحملون تحويلات طبية وينتظرون فرصة للسفر والعلاج خارج القطاع
ومن بين هؤلاء، مئات الحالات المصنّفة حرجة جدًا، تحتاج تدخلاً عاجلًا لا يحتمل التأجيل، لكنها ما تزال عالقة بين الإجراءات والانتظار، وبين المعابر المغلقة والإمكانات المحدودة
وفي الوقت الذي يغادر فيه عشرات المرضى فقط على دفعات محدودة، يبقى الآلاف خلفهم، في طوابير الألم الطويلة، حيث يتحول الانتظار إلى خطر بحد ذاته، وقد يصبح التأخير حكمًا صامتًا بالمضاعفات… أو الفقد.