لم يعد الحصول على ربطة خبز في قطاع غزة مجرد عملية شراء روتينية، بل تحول إلى معركة يومية يخوضها المواطن بين طوابير الانتظار الطويلة وأنياب السوق السوداء. فمع حلول أول أيام عيد الفطر ، يشهد سوق الغذاء في القطاع اختلالاً هيكلياً حاداً، حيث انخفضت كميات الخبز المنتجة بنسبة 30%، في وقت يعتمد فيه 95% من السكان على المساعدات الإغاثية لتأمين قوت يومهم.
قفزات سعرية بنسبة 400%
يوضح الباحث في الشأن الاقتصادي، أحمد أبو قمر، أن أزمة الخبز الحالية هي مرآة لتهالك الأمن الغذائي. ويشير إلى وجود "خلل فاضح" بين العرض والطلب؛ فبينما يبلغ السعر الرسمي لربطة الخبز المدعوم من برنامج الأغذية العالمي (WFP) 3 شواكل فقط، تُباع في الأسواق بأسعار تتراوح بين 7 إلى 15 شيكلاً، ما يعني زيادة تصل إلى 400%.
هذا الارتفاع لم يتوقف عند الرغيف المنتج، بل طال المادة الخام؛ إذ قفز سعر كيس الطحين (25 كجم) من 20 شيكلاً إلى قرابة 70 شيكلاً، بنسبة زيادة تجاوزت 180%، مما جعل الخبز عبئاً مالياً يومياً يفوق قدرة الأسر التي تعاني أصلاً من انعدام الدخل.
جذور الأزمة
من جانبه، أكد رئيس جمعية أصحاب المخابز في غزة، عبد الناصر العجرمي، أن تقليص برنامج الأغذية العالمي للكميات المنتجة أدى مباشرة إلى نقص المعروض. وأوضح العجرمي أن الأزمة ليست مجرد نقص في الدقيق، بل هي أزمة "مدخلات إنتاج" متكاملة، تشمل:
• عجز الوقود: نقص السولار اللازم لتشغيل الأفران.
• المواد الأساسية: غياب الزيوت والخميرة بانتظام.
• التهالك التقني: تعطل الآلات وغياب قطع الغيار اللازمة للإصلاح.
وذكر العجرمي أن هذا الواقع ساهم في عودة السوق السوداء للظهور مجدداً، إذ باتت ربطة الخبز تباع حالياً بمبالغ تتراوح بين 7 إلى 15 شيكلاً، رغم أن تسعيرتها الرسمية لا تتجاوز 3 شواكل.
لا تقتصر الأزمة على السعر، بل تمتد لـ "سلوك السوق"؛ حيث يستغل بعض الباعة حاجة الناس لتعظيم أرباحهم عبر احتكار الكميات المسربة. كما برزت مشكلة "الفكة" (العملات الصغيرة)، حيث يطلب بائعو السوق السوداء ونقاط التوزيع مبالغ نقدية محددة، مما يخلق أزمة سيولة إضافية فوق أزمة الجوع.
مبادرة للحل: نحو "تأميم" الرغيف وإغراق السوق
في ظل هذا الواقع المرير، تتبلور رؤى اقتصادية ومبادرات محلية للخروج من النفق المظلم، تتلخص في ضرورة انتقال الجهات الناظمة من "دور المشاهد" إلى "دور المتابع"، عبر خطوات عاجلة تتمثل فيزيادة العرض (سياسة الإغراق): التعاقد مع مخابز إضافية، بما في ذلك "المخابز البدائية" التي أثبتت كفاءتها سابقاً، لضمان وصول الخبز لكل حي ونقطة نزوح.
وتدعو المبادرات لدعم المدخلات كـ "احتياج إنساني": معاملة السولار المخصص للمخابز كالسولار المخصص للمستشفيات والبلديات من حيث الأولوية والتدفق.
وذكرت أن من المهم تفعيل البيع عبر التطبيقات البنكية لإنهاء أزمة "الفكة" وتقليل فرص التلاعب النقدي في السوق السوداء.
وطالبت مبادرات مجتمعية بخفض سعر الربطة الرسمية للحد الأدنى، باعتبارها سلعة إنسانية لا يجوز أن يستنزف ثمنها دخل المواطن المحدود.
وحذرت مؤسسات دولية من أن استمرار هذه الأزمة سيؤدي إلى انزلاق القطاع مجدداً نحو "عتبة المجاعة". فمع تعطل أكثر من 85% من المنشآت الزراعية والآبار، بات الغزيون يعتمدون بشكل كامل تقريباً على ما يدخل عبر المعابر، وهو ما يجعل أمنهم الغذائي رهينة للتقلبات السياسية والعسكرية.
يبقى رغيف الخبز في غزة اليوم أكثر من مجرد غذاء؛ إنه رمز للصمود في وجه حصار خانق وسوق سوداء لا ترحم، وسط مناشدات عاجلة بضرورة تحييد لقمة العيش عن الصراعات وتأمين تدفق ثابت للطحين والوقود لضمان عمل المخابز بانتظام.