لم يعد اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة يعكس واقعا ميدانيا مستقرا بقدر ما بات عنوانا هشا يتعرض للتقويض اليومي بفعل الخروقات الإسرائيلية المتواصلة.
فمنذ إعلان التهدئة، لم تتوقف عمليات القصف وإطلاق النار والتوغل واستهداف المواطنين، في مشهد يؤكد أن الاحتلال يتعامل مع الاتفاق بوصفه مساحة مؤقتة لإدارة المعركة، لا التزاما حقيقيا بوقفها.
وتكشف الوقائع الميدانية المتلاحقة أن هذه الخروقات لا يمكن وصفها بالحوادث المعزولة أو الاستثنائية، بل تأتي ضمن نمط ثابت من الانتهاكات التي تضرب جوهر الاتفاق، وتبقي قطاع غزة تحت ضغط عسكري وإنساني مفتوح.
فبدلا من أن تشكل التهدئة فرصة لالتقاط الأنفاس وبدء التعافي، تحولت إلى مرحلة مشوبة بالاستهداف اليومي والقيود الخانقة على حياة المدنيين.
انتهاكات مستمرة
وفي ظل هذا الواقع، تتعاظم المخاوف من أن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية يهدف إلى فرض معادلة ميدانية جديدة تقوم على "هدوء شكلي" يقابله استنزاف فعلي للقطاع وسكانه، بما يهدد بانفجار جديد تتحمل إسرائيل مسؤوليته الكاملة، في ظل إصرارها على تقويض فرص تثبيت وقف إطلاق النار واستدامته.
ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي خرق بنوده بشكل متكرر عبر عمليات قتل مباشرة وإطلاق نار متواصل وقصف جوي ومدفعي وتوغلات ميدانية في مناطق مختلفة قرب الخط الأصفر.
وهذه الممارسات لا تمثل فقط انتهاكا ميدانيا بل تعد خرقا واضحا وصريحا لجوهر الاتفاق الذي يفترض أن يضمن وقف الأعمال العسكرية وحماية المدنيين وتهيئة الظروف الإنسانية اللازمة.
وبحسب المعطيات الرسمية، بلغ إجمالي عدد الشهداء منذ إعلان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي 692 شهيدا، إضافة إلى أكثر من 1800 إصابة، فيما سجلت الجهات المختصة 756 حالة انتشال من تحت الركام، في مؤشر واضح على أن آثار العدوان لم تتوقف عند لحظة الإعلان عن التهدئة، بل استمرت عبر الاستهداف المباشر وتعذر الوصول إلى الضحايا في مناطق مدمرة.
كما ارتفعت الحصيلة التراكمية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إلى أكثر من 72250 شهيدا و172 ألف إصابة، بما يعكس استمرار الكارثة الإنسانية في ظل واقع ميداني لا يشبه وقفا فعليا لإطلاق النار.
توثيق الاعتداءات
وفي هذا السياق، قال مركز غزة لحقوق الإنسان إن قوات الجيش الإسرائيلي تواصل، لليوم الـ169 على التوالي، خرق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، من خلال عمليات قتل مباشرة وقصف جوي ومدفعي واستهداف تجمعات مدنية، بما يقوّض جوهر الاتفاق ويكرس واقعا إنسانيا بالغ الصعوبة.
ووفق المركز، فإن فرق الرصد الميداني وثقت سلسلة اعتداءات جديدة خلال الأيام الأخيرة، أسفرت عن سقوط شهداء وجرحى في مناطق متفرقة من القطاع.
ومن بين الوقائع التي وثقها المركز، استشهاد الشقيقين فهمي وسائد قدوم برصاص قوات الاحتلال شرقي مدينة غزة صباح السبت 28 مارس/ آذار 2026، إلى جانب إصابة عدد آخر من المواطنين، أحدهم بحالة خطرة.
كما وثق قصفاً إسرائيليا على دير البلح وسط القطاع يوم الأربعاء 25 مارس/ آذار، أدى إلى استشهاد الشاب عبد الرحمن محمد قنبور (22 عاما) وإصابة آخرين.
كذلك، رُصد استهداف بطائرة مسيرة إسرائيلية مساء الثلاثاء 24 مارس/آذار في محيط مقبرة السوارحة جنوب غرب مخيم النصيرات، ما أدى إلى استشهاد أحمد محمد درويش (38 عاما) ونائل عاهد النباهين (21 عاما)، وإصابة مواطن آخر بجراح بالغة.
هذه الوقائع تعكس بوضوح أن الاحتلال لا يتعامل مع وقف إطلاق النار باعتباره التزاما سياسيا وأمنيا دائما، بل كمرحلة مؤقتة لإعادة ترتيب أوراقه الميدانية والعسكرية بما يتيح له الحفاظ على أدوات الضغط والتصعيد متى شاء.
وأضاف المركز: "استمرار القتل تحت غطاء الهدوء، والإبقاء على مناطق واسعة تحت التهديد المباشر واستهداف المواطنين في المناطق الشرقية والوسطى، كلها مؤشرات على أن التهدئة من منظور الاحتلال ليست نهاية للعدوان، بل إعادة صياغة لوسائله".
ولا تتوقف الخروقات عند الجانب العسكري فقط بل تمتد إلى الجانب الإنساني وهو ما يجعل الاتفاق منقوصا في أحد أهم أركانه، فقد أكد المركز الحقوقي أن سلطات الاحتلال تواصل تعطيل البروتوكول الإنساني الملحق بالاتفاق، من خلال تقليص دخول المساعدات والوقود إلى مستويات خطيرة، إذ تشير البيانات إلى أن ما دخل فعليا لا يتجاوز 40% من إجمالي الشاحنات المتفق عليها، فيما لم تتجاوز نسبة إدخال الوقود 14.9% من الكميات المقررة.
وهذه الأرقام تعني عمليا استمرار خنق القطاع ومنع تعافيه، عبر تعطيل إصلاح شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي وتهديد حياة المرضى والنازحين والإبقاء على الخدمات الأساسية في حالة انهيار دائم.
وفي سياق متصل، أكد الناطق باسم حركة حماس، حازم قاسم، أن تصعيد الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من خلال استمرار عمليات القتل وتشديد الحصار يمثل تأكيدا واضحا على قرار الاحتلال بتخريب مسار وقف إطلاق النار.
وأضاف قاسم: "القتل المستمر لسكان القطاع، إلى جانب منع الإعمار وتشديد الحصار، يمثل امتدادا لحرب الإبادة الجماعية لكن بوتيرة مختلفة، مشددا على أن مواصلة الاحتلال خروقات الاتفاق تستوجب من جميع الوسطاء والجهات الضامنة ممارسة ضغط فعلي لوقف هذه الانتهاكات ورفع الحصار".
تنسجم هذه التصريحات مع ما تؤكده المعطيات الميدانية من أن الخروقات لم تعد استثناءً، بل أصبحت سلوكا يوميا يهدد الاتفاق من أساسه.