طفلٌ بين أبوين... كيف يمنع الاحتلال حسم النَّسب في غزة

الرسالة نت - متابعة


في ممرٍّ ضيّق من ممرات المستشفى، عاد الطفل مع عشرة أطفال آخرين، يحمل على صدره ورقةً كُتب عليها: "ابن فاطمة الهرش". كانت الكلمات كافية لتُشعل قلبًا كاملًا بالأمل. وقف الأب، ينتظر على نارٍ من القلق، يمدّ عينيه قبل يديه، كأن المسافة بينه وبين الطفل أطول من الحرب نفسها.

حين رآه، لم يتردّد. اندفع نحوه، احتضنه بشوقٍ يتكسّر على صدره، وتساقطت دموعه دون استئذان. في تلك اللحظة، بدا كل شيء محسومًا: هذا ابنه، عاد من الغياب، من المجهول، من العتمة التي ابتلعت الأيام.
لكن الحكاية لم تنتهِ هناك. بل بدأت حينما ظهر أبٌ آخر. اسمه محمد لبد. كان يحمل روايةً لا تقلّ يقينًا، ولا تقلّ ألمًا. قال إن ظروف هذا الطفل تشبه تمامًا ظروف ولادة زوجته في مستشفى الشفاء، في الأيام الأولى للحرب. نفس التوقيت، نفس الارتباك، نفس الانقطاع. نظر إلى الطفل كما لو أنه يستعيد ملامح فقدها، وهنا، بدأت القصة تتشقق.

أبوان، وطفلٌ واحد

.كلٌ منهما يحمل ذاكرة، وورقًا، وتفاصيل يظنّ أنها الحقيقة. وفي أروقة المستشفى، تحوّل اللقاء إلى سباقٍ صامت. هذا يعرض أوراقه، وذاك يستعيد تواريخه. أحدهما يتشبث باسم الأم المكتوب على صدر الطفل، والآخر يتمسّك بسرديةٍ عاشها لحظةً بلحظة. الممرضون يحاولون التهدئة، والأقارب يحيطون بالمشهد كأنهم شهودٌ على شيءٍ أكبر من الفهم.

لكن الفيصل، في مكانٍ آخر، تحليل DNA، الغائب عن غزة.
لا أجهزة. لا مواد. لا مختصّين. كل ذلك ممنوع من الدخول، بقرارٍ يحوّل أبسط أدوات الحسم إلى رفاهيةٍ مستحيلة. وهكذا، تُترك القصة معلّقة، بلا نهاية واضحة، بلا يقين.

ليست هذه الحكاية الأولى من نوعها، لكنها ربما الأكثر قسوة، فبالأمس، كان الشهداء يُدفنون بعد أن يعودوا من الثلاجات بلا أسماء، لأن التعرف إليهم يحتاج إلى فحوصات غير متوفرة.

واليوم، لا يُعرف لمن يعود طفلٌ حيّ، لأن العلم نفسه مُحتجز خارج الحدود بأمر من المحتل، الذي يجعل المأساة  تتمدد إلى ما بعد الموت، إلى الأسماء، إلى الأنساب، إلى تلك الروابط الخفية التي تُعرّف الإنسان بنفسه.

لم يولد هؤلاء الأطفال الأحد عشر في ظروفٍ عادية، بل خرجوا من حضّاناتٍ كانت تُصارع الموت في الأيام الأولى للحرب، قبل أن يُنقلوا إلى مصر بلا أسماءٍ أحيانًا، وبلا وداع. كبروا بعيدًا عن عائلاتهم، على أملٍ هشٍّ ظلّ معلقًا لسنوات، ثم عادوا… لكن عودتهم لم تُنهِ الحكاية إحدى عشرة حياة عادت، ومعها أسئلةٌ أثقل من الإجابة: من هذا الطفل؟ لمن ينتمي؟ ومن يملك حق احتضانه؟