في غزة، تتكسّر الأدوار وتُعاد صياغتها على عجل. هناك، حيث لا وقت للحزن الكامل، وجد بلال صوالحة نفسه واقفًا أمام حياة لم يخترها، لكنه مضطر لأن يعيشها.
خلال الحرب، فقد بلال ثلاثة من إخوته. لم يرحلوا معًا، بل واحدًا تلو الآخر، في سياقات مختلفة، وبدأ الفقد يتقدّم نحوه تدريجيًا، لا دفعة واحدة.
واحد من أخوة بلال استشهد وهو يحاول تأمين الطحين لعائلته، في مشهد يلخّص قسوة اللحظة: الموت على باب الخبز. ثم آخرون رحلوا تحت القصف، ومعهم انطفأت أجزاء من البيت، ومن الذاكرة، ومن الحياة كما كانت؛ ورحلت والدته معهم.
الخسارة لم تتوقف عند هذا الحد، لأن ما تركه الإخوة خلفهم لم يكن مجرد فراغ… بل أحد عشر طفلًا.
أحد عشر طفلًا، بأعمار مختلفة، بملامح تحمل شيئًا من آبائهم الغائبين، وبأسئلة لا تجد إجابات كافية. في لحظة واحدة، تحوّل بلال من أخ إلى أبٍ جماعي، من شاب يعيش حياته إلى معيلٍ لبيتٍ كامل، بيت لم يعد فيه من الكبار سواه.
لم يكن هناك وقت للتفكير الطويل؛ فالطعام يجب أن يُؤمَّن؛ والأطفال يجب أن يناموا؛ والبكاء يجب أن يُؤجَّل؛ لأنه وفي غزة فقط حتى الحزن له توقيت ضيق.
يحاول بلال أن يوزّع نفسه على الجميع؛ طفل يحتاج حضنًا؛ آخر يسأل عن أبيه؛ ثالث يستيقظ مذعورًا من صوت القصف.
وفي كل مرة، عليه أن يكون الإجابة… حتى لو لم يملكها.
ربما لا يقول ذلك بصوتٍ عالٍ، لكن داخله يعرف: هو لا يرعى أطفالًا فقط، بل يرعى ذاكرة كاملة مهددة بالانكسار.
في المساء، حين يهدأ الضجيج قليلًا، قد يجد لحظة قصيرة لنفسه.
لحظة يتذكّر فيها إخوته، كيف كانوا يجلسون، يضحكون، يختلفون، يعيشون حياة عادية لم تعد موجودة، ثم يقطع التفكير سريعًا؛ لأن هناك دائمًا طفل ينادي.
وهكذا تحول قطاع غزة إلى مدينة كاملة من الأيتام؛ فوفق تقديرات حديثة، ارتفع عدد الأيتام في القطاع إلى أكثر من 64 ألف طفل، فيما تشير تقارير أخرى إلى أن العدد قد يصل إلى نحو 85 ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما منذ السابع من أكتوبر 2023، بينهم ما يقارب 27 ألف طفل فقدوا الوالدين معًا .
هذه الأرقام لا تعني فقط أطفالًا بلا آباء، بل جيلًا كاملًا يُدفع إلى الحياة دون سند، في واقع يفتقر أصلًا إلى الغذاء والرعاية والأمان. كثير من هؤلاء الأطفال يعيشون اليوم في خيام أو مراكز نزوح، يواجهون الجوع والخوف والصدمات النفسية، بينما يُجبر بعضهم على النضوج المبكر، أو الاتكاء على أقارب أنهكهم الفقد مثل بلال.
وهكذا، لا تعود الحكاية عن رجل يرعى 11 يتيمًا فقط، بل عن غزة بأكملها، وهي تتحول إلى بيتٍ واسع من اليُتم… حيث يكبر الأطفال سريعًا، لأن الحياة لم تترك لهم خيارًا.