في خطوة أثارت عاصفة من الجدل القانوني والسياسي، أقرّت إسرائيل قانونًا جديدًا يتيح فرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين في حالات محددة، وسط تحذيرات من أنه يشكّل سابقة خطيرة في التشريعات الحديثة، ويكرّس واقعًا تمييزيًا غير مسبوق في تطبيق العدالة. وبينما تبرر الحكومة الإسرائيلية القانون باعتبارات “أمنية وردعية”، يرى مختصون أنه يفتح الباب أمام تقنين الإعدام الميداني وتحويله إلى أداة قانونية تستهدف فئة بعينها.
في السطور التالية، نسلّط الضوء على طبيعة قانون إعدام الأسرى، وحدود تطبيقه، وما يثيره من إشكاليات قانونية وإنسانية، إلى جانب أبعاده الدولية.
ما الذي ينص عليه القانون؟
ينص القانون على فرض عقوبة الإعدام بحق كل من يرتكب جريمة قتل عمد بدوافع “إرهابية” أو ذات خلفية سياسية معادية لإسرائيل، وفق تعريفات قانون “مكافحة الإرهاب”. وفي المقابل، لا تسري هذه العقوبة على الجرائم الجنائية “العادية”، حتى وإن كانت عمدية، ما يجعل الدافع السياسي أو الأمني هو العامل الحاسم في تطبيقه.
ويتميّز القانون بصرامته الشديدة، إذ يمنع القضاة من الأخذ بأي ظروف مخففة أو اعتبارات شخصية للمتهم، ويجعل الإعدام هو القاعدة الأساسية، بينما يظل الاستثناء نادرًا للغاية ويحتاج إلى مبررات استثنائية. كما يحظر تقديم طلبات استرحام أو تخفيف للعقوبة، خاصة من قبل الحاكم العسكري في الضفة الغربية.
ويُلزم القانون بتنفيذ حكم الإعدام خلال مدة لا تتجاوز 90 يومًا من صدوره، مع فرض قيود قاسية على المحكوم، من بينها منعه من لقاء عائلته خلال هذه الفترة.
نطاق التطبيق وحدوده
رغم خطورته، لا يُطبق القانون بأثر رجعي، ما يعني أنه لا يشمل الأسرى الفلسطينيين الحاليين، بل يقتصر على الجرائم التي تُرتكب بعد تاريخ إقراره في 31 مارس/آذار 2026. وبذلك، فإن أي تطبيق فعلي له سيستغرق وقتًا، نظرًا لتعقيد الإجراءات القضائية التي تشمل التحقيق، والمحاكمة، والاستئناف، قبل الوصول إلى مرحلة التنفيذ.
ومن الناحية النظرية، يمتد تطبيق القانون ليشمل غير الفلسطينيين، إلا أن تعريفاته العملية تفرّق بين الفئات. ففي الضفة الغربية، يُستثنى المستوطنون الإسرائيليون من تطبيقه، إذ يُعرَّف السكان الفلسطينيون بشكل منفصل عنهم، بينما يُمكن تطبيقه داخل الخط الأخضر على أي شخص يرتكب جريمة بدوافع معادية للدولة أو “الشعب اليهودي”.
هذا التحديد يجعل القانون عمليًا موجهًا ضد الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية أو داخل إسرائيل، بما في ذلك الفلسطينيين الحاصلين على الجنسية الإسرائيلية، في حين لا يشمل الإسرائيليين اليهود حتى في حال ارتكابهم جرائم قتل بدوافع عنصرية ضد الفلسطينيين.
إشكاليات قانونية وإنسانية
يثير القانون إشكاليات متعددة، خاصة فيما يتعلق بفئات لم يتطرق إليها بشكل صريح، مثل القاصرين والنساء الحوامل. فبينما لا يميز القانون بين القاصرين والبالغين، تشير القوانين العامة إلى وجود قيود تحول دون تطبيق عقوبة الإعدام على القاصرين، ما يفتح بابًا للتفسيرات القضائية.
أما في حالة النساء الحوامل، فلم يحدد القانون آلية واضحة للتعامل مع هذه الحالات، سواء بتأجيل التنفيذ أو اتخاذ إجراءات خاصة، ما يترك المسألة معلّقة قانونيًا.
سياق سياسي محفّز
يأتي إقرار القانون في ظل ظروف سياسية متوترة، أبرزها الحرب على قطاع غزة، وتصاعد أعمال العنف في الضفة الغربية، إلى جانب تفشي الجريمة داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل. ويرى مراقبون أن هذه البيئة ساهمت في تمرير القانون، عبر تكريس خطاب يعتبر حياة الفلسطينيين “مباحة”، وفق تعبيرات نقدية تستحضر مفاهيم فلسفية حول “استباحة الحياة” وتقنين العنف.
كما يشير منتقدون إلى أن القانون يهدف إلى إضفاء طابع رسمي على ممارسات سابقة، مثل الإعدام الميداني للفلسطينيين، من خلال تحويلها إلى إجراء قانوني معلن.
معارضة داخلية... لأسباب غير إنسانية
ورغم إقراره بأغلبية 62 صوتًا في الكنيست، واجه القانون معارضة من 48 عضوًا، إلى جانب تحفظات من جهات رسمية، بينها المستشارة القضائية للحكومة، ومؤسسات أمنية وعسكرية.
غير أن هذه المعارضة لم تستند إلى اعتبارات حقوقية بقدر ما ارتبطت بمخاوف أمنية ودبلوماسية، إذ حذّر معارضون من أن القانون قد يؤدي إلى تصعيد ميداني وردود انتقامية، فضلًا عن الإضرار بمكانة إسرائيل دوليًا.
في المقابل، كانت نقابة الأطباء من الجهات القليلة التي عبّرت عن موقف أخلاقي واضح، مؤكدة أن المشاركة في تنفيذ الإعدام تتعارض مع القيم الطبية والمواثيق الدولية.
مقارنة عالمية
يأتي هذا القانون في وقت يشهد فيه العالم توجهًا متزايدًا نحو إلغاء عقوبة الإعدام أو الحد منها، ما يجعل سنّ تشريع جديد بهذا الاتجاه خطوة استثنائية. كما أن طابعه التمييزي، من حيث استهدافه لفئة محددة، يجعله مختلفًا عن معظم قوانين الإعدام في العالم، التي تُطبق – نظريًا – دون تمييز عرقي أو ديني.
طعون قانونية وسيناريوهات محتملة
عقب إقرار القانون، تقدّمت مؤسسات حقوقية، عبر مركز “عدالة”، بالتماس إلى المحكمة الإسرائيلية العليا لإبطاله. وقد طلبت المحكمة من النيابة العامة تقديم ردها الرسمي، وسط توقعات بأن تستغرق الإجراءات عدة أشهر، وقد تمتد إلى ما بعد الانتخابات المقبلة.
ورغم سجل المحكمة في إقرار سياسات مثيرة للجدل، يرجّح بعض المراقبين إمكانية إبطال القانون، في ظل الضغوط الداخلية والدولية.
أبعاد دولية محتملة
على الصعيد الدولي، يُطرح احتمال تدخل المحكمة الجنائية الدولية، باعتبار أن القانون قد يندرج ضمن ممارسات “الأبرتهايد” أو يشكل شكلًا من أشكال المعاملة القاسية أو اللاإنسانية، المحظورة بموجب نظام روما الأساسي.
كما يثير تطبيق القانون في الضفة الغربية إشكاليات إضافية، نظرًا لوضعها كأرض محتلة، حيث يحظر القانون الدولي فرض تشريعات الدولة المحتلة على السكان الواقعين تحت الاحتلال، خاصة إذا كانت تمس حقوقهم الأساسية.
تداعيات مستقبلية
في حال تطبيق القانون وتنفيذ أحكام إعدام بحق أسرى فلسطينيين، يتوقع مراقبون أن يشهد المشهد الفلسطيني تصعيدًا واسعًا، يتراوح بين احتجاجات شعبية ومواقف دولية رافضة، وقد تتحول هذه الأحداث إلى محطات مفصلية في الذاكرة الوطنية.