أكدت جهات اقتصادية في قطاع غزة، أن القطاع يتعرض لعملية "هندسة تجويع" ممنهجة يمارسها الاحتلال، في ظل نقص حاد في السلع الأساسية، بدءًا باستهداف رغيف الخبز نتيجة التراجع الكبير في الإنتاج خلال الأشهر الأخيرة، وصولًا إلى التضييق الشديد على إدخال البضائع والمساعدات.
جاء ذلك خلال لقاء نظمه "تحالف منظمات المجتمع المدني الفلسطيني" بعنوان: "الحركة التجارية في قطاع غزة.. الواقع والتحديات"، بمشاركة ممثلين عن القوى والفصائل ومؤسسات المجتمع المدني وشخصيات عشائرية، إلى جانب وكيل وزارة الاقتصاد ورئيس اللجنة الوطنية لضبط الأسعار.
هندسة تجويع ممنهجة
قال وكيل وزارة الاقتصاد إن الاحتلال يواصل حرب الإبادة عبر هندسة التجويع وتشديد الحصار، والتحكم الكامل في دخول البضائع والمساعدات، التي لا تتجاوز في أفضل الأحوال 50% من الكميات التي كانت تدخل قبل الحرب، رغم ما تم الاتفاق عليه ضمن البروتوكول الإنساني بالسماح بدخول 600 شاحنة يوميًا.
وأوضح أن الاحتلال لم يلتزم بهذا الاتفاق مطلقًا، حيث لم تتجاوز الكميات المدخلة فعليًا نصف هذا الرقم، فيما تراجعت النسبة مع بداية شهر مارس الماضي إلى نحو 39% فقط، ما يعكس تشديدًا متصاعدًا في سياسة الحصار.
وأشار إلى أن ما يفرضه الاحتلال يمثل حربًا ناعمة تحرم الشعب الفلسطيني من أبسط احتياجاته، مؤكدًا أن ما يجري على الأرض هو هندسة ممنهجة للتجويع تهدف إلى تركيع السكان.
وبيّن أن احتياج القطاع اليومي من الدقيق يبلغ 450 طنًا، في حين لا يتوفر سوى نحو 200 طن، ما يخلق فجوة تقدر بـ150 طنًا في الخبز يوميًا. كما يبلغ الاحتياج الشهري من السكر نحو 330 طنًا، والزيوت والسمنة 2500 طن، بينما ارتفعت الحاجة إلى المجمدات لتتجاوز 5 آلاف طن شهريًا.
وأوضح أن 30 مخبزًا تعمل حاليًا وتنتج نحو 133 ألف ربطة خبز يوميًا، منها 48 ألف ربطة توزع مجانًا، و85 ألفًا تباع بسعر مدعوم، إلا أن هذه الكميات لا تغطي الاحتياج الفعلي، خاصة مع تراجع دعم برنامج الغذاء العالمي.
وأكد أن هناك مخاوف حقيقية من توقف هذا الدعم، ما سيؤدي إلى تفاقم أزمة الخبز وتعزيز سياسة التجويع.
واعتبر أن تصريحات نيكولاي مالدينوف حول دخول مئات الشاحنات تمثل غطاءً لسياسة الحصار، ولا تعكس الواقع الفعلي الذي ترصده الجهات الاقتصادية.
وفيما يتعلق بأزمة "الفكة"، أوضح أن الأزمة ناتجة عن تراجع السيولة النقدية وتقلص الكميات المتداولة في السوق، بالتوازي مع انخفاض الإنتاج وارتفاع الأسعار، ما انعكس سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين وأعاق عمليات البيع والشراء اليومية.
وأشار إلى أن الاحتلال يعتمد على عدد محدود من التجار المعتمدين، غالبيتهم خارج القطاع، ما يفتح المجال أمام ممارسات احتكارية ورفع الأسعار.
اختلال خطير في السوق
من جانبه، قال رئيس اللجنة الوطنية لضبط الأسعار إن الاحتلال تسبب في اختلال كبير في الميزان التجاري، نتيجة التحكم في مصادر الإمداد ومنع تدفق السلع.
وأوضح أن البضائع تدخل القطاع عبر ثلاثة مسارات: من خلال الاحتلال، ومن مصر عبر شركات تنسيق، إضافة إلى الإنتاج المحلي المحدود.
وأشار إلى أن البضائع القادمة عبر جمهورية مصر العربية الشقيقة تشمل أصنافًا متعددة مثل المواد الغذائية الأساسية، والخضروات، وبعض الأدوية والمستلزمات الطبية، إلا أنها تخضع لرسوم تنسيق مرتفعة، حيث تصل تكلفة إدخال الشاحنة الواحدة إلى نحو 7 آلاف دولار، بينما ترتفع بشكل كبير في شاحنات الأدوية لتصل إلى نحو 200 ألف دولار، ما يضاعف الأعباء على المواطنين.
وأكد أن هذه التكاليف تفوق أحيانًا قيمة البضائع نفسها، ما يؤدي إلى ارتفاع غير مسبوق في الأسعار داخل السوق.
وبيّن أن الاحتلال دمّر نحو 81 ألف دونم من أصل 85 ألف دونم من الأراضي الزراعية، ولم يتبقَّ سوى نحو 4 آلاف دونم فقط صالحة للزراعة، ما أدى إلى تراجع حاد في الإنتاج المحلي.
كما أشار إلى منع إدخال مستلزمات الإنتاج الزراعي من بذور وأسمدة، ما يفاقم الأزمة ويزيد الاعتماد على الاستيراد المحدود.
وأوضح أن متوسط دخول الشاحنات الزراعية تراجع من 60 شاحنة يوميًا إلى 3 فقط قبل الحرب الأخيرة، ثم توقف بشكل شبه كامل، ما يعكس تعمد الاحتلال تعميق الأزمة الغذائية.
وأكد أن ما يجري هو سياسة تجويع متعمدة، تمثل وجهًا آخر من حرب الإبادة، مشيرًا إلى أن بعض التصريحات الدولية تسهم في تبرير هذا الواقع بدلًا من فضحه.
وشدد على ضرورة حماية المواطن من الاستغلال، واتخاذ إجراءات صارمة بحق التجار المخالفين، مؤكدًا أن الجهات المختصة مستمرة في ضبط الأسواق رغم التحديات.
ودعا إلى زيادة الضغط السياسي والإنساني على الاحتلال، ودعم المبادرات المحلية لتعزيز صمود المواطنين وتوفير بدائل في ظل الحصار.