مقال: تفكيك خطاب الأزمة البنيوية في المشروع الصهيوني

محمد مصطفى شاهين



في العادة يُوظف الخطاب السياسي للدول الاستعمارية الاستيطانية كأداة لـ"الهندسة الإدراكية"  لإخفاء التناقضات الجوهرية بين القوة العسكرية الغاشمة والعجز الاستراتيجي المزمن،لكن في لحظات نادرة من الانهيار التكتيكي، كما حدث في خطاب زعيم المعارضة الإسرائيلي يائير لبيد، يتحول لسان أحد أقطاب النخبة الحاكمة إلى وثيقة اعتراف قسرية. ليس اعترافاً بجريمة أخلاقية بالطبع، فالبنية الأخلاقية للمشروع الصهيوني لا تسمح بذلك، بل اعتراف بفشل "النموذج التشغيلي" للدولة الوظيفية. ما قدمه زعيم المعارضة الإسرائيلية لبيد لم يكن نقداً من داخل المنظومة فحسب، بل كان شهادة إفلاس غير مقصودة، تنسف من الجذر أسطورة "الجيش الذي لا يقهر" و"الدولة المستقلة ذات السيادة".

1. تفكيك ثنائية "النجاح العسكري" و"الكارثة الدبلوماسية": حدود القوة الغاشمة
يمكننا استخدام مصطلح "قوة الإرهاب " لوصف دور إسرائيل في المنظومة الإمبريالية العالمية. خطاب لبيد يُقر ضمنياً بحدود هذه القوة. حين يمتدح "أفضل سلاح جو في العالم" ثم يصف النتيجة بأنها "كارثة دبلوماسية على نطاق لا أذكر مثله"، فهو لا يمارس مجرد مزايدة حزبية على نتنياهو إنه يُشخص مرضاً عضالاً في جسد الكيان: الفصام بين القدرة التدميرية العالية والعجز عن ترجمة هذا الدمار إلى مكاسب سياسية دائمة.
في تحليلي للصراعات غير المتكافئة  القوة العظمى (أو وكيلها الإقليمي) تستطيع تدمير البنية التحتية لكنها تعجز عن إخضاع الإرادة السياسية للشعوب،  خطاب لبيد هو التجسيد الحي لهذه المعادلة هو يأسف لأن الصواريخ دمرت مبانٍ لكنها لم تُحدث "تغييراً للنظام" في طهران،ان  هذا الاعتراف هو في جوهره هزيمة استراتيجية للمقاربة الصهيونية التي تعتقد أن "العنف المفرط" يمكن أن يحل محل "الحل السياسي العادل".

2. الدولة التابعة: عندما يصبح "الحليف الاستراتيجي" مجرد "متعهد هدم"
أخطر ما ورد في النص التحليلي للبيد هو وصفه للعلاقة مع الولايات المتحدة بأن إسرائيل "حوّلت إلى دولة تابعة تتلقى التعليمات عبر الهاتف" وأن مكانتها تدنت من "حليف استراتيجي إلى متعهد هدم". هذه ليست مبالغة بلاغية من معارض يبحث عن كسب نقاط. هذه وصفة تشريحية دقيقة لطبيعة العلاقة الاستعمارية بين المركز والإمبريالي والطرف التابع.
 من خلال متابعة التاريخ في الشرق الأوسط كانت إسرائيل ليس مجرد "دولة صديقة" للولايات المتحدة بل هي قاعدة عسكرية أمامية متقدمة للهيمنة الأمريكية على منابع الطاقة وطرق التجارة. ما كشفه اتفاق وقف إطلاق النار بوساطة باكستانية-أمريكية هو أن لحظة القرار الاستراتيجي النهائي لم تكن في تل أبيب، بل في واشنطن. 

هذا لا يعكس "غباء نتنياهو" كما يحاول لبيد الترويج بل يعكس الوظيفة البنيوية للكيان الصهيوني: أداة ضغط وإرهاب، لكنها ليست سيدة قرارها النهائي، عندما تتعارض المصالح الإمبراطورية العليا للولايات المتحدة مع التهور الإسرائيلي، يتم سحب البساط من تحت أقدام "المقاول" المحلي.

3. الاعتراف الضمني بعقم التحالفات الإقليمية في مواجهة محور المقاومة
ينتقد لبيد فشل نتنياهو في بناء "تحالف عسكري مع السعودية والخليج" لمواجهة إيران و هنا تكمن مفارقة فكرية عميقة حيث يفترض لبيد كما تفترض مراكز الأبحاث الأمريكية، أن مشكلة إسرائيل هي سوء إدارة التحالفات. بينما يرى تحليل القوى العميقة أن مشكلة إسرائيل هي طبيعة وجودها الاستعماري ذاته.
لا يمكن للأنظمة العربية التي تطبع مع إسرائيل أن تمنحها "العمق الاستراتيجي" المطلوب ضد محور المقاومة، لأن هذه الأنظمة نفسها في حالة هشاشة بنيوية أمام شعوبها الرافضة للكيان. 

خطاب لبيد يحلم بـ"ناتو عربي إسرائيلي" وهو حلم أوهامي لأن حرب الإبادة في غزة أثبتت أن الجغرافيا السياسية للشارع العربي لا تزال تحتكم لبوصلة القدس وفلسطين وليس لبوصلة اسرائيل والمطبعين ، هزيمة المشروع الصهيوني لا تكمن فقط في عجز دباباته عن احتلال لبنان، بل في عجزه عن جعل التطبيع حقيقة اجتماعية وثقافية في المنطقة.

4. "تغيير النظام" كحلم استعماري مؤجل: فشل الاستخبارات العمياء
دعوة لبيد إلى "ضرب البنية التحتية الإيرانية لضمان عدم استمرار النظام اقتصادياً" هي تعبير عن الوجه الآخر للغطرسة الصهيونية فهو ينتقد نتنياهو لأنه لم يستخدم القوة الكافية لإسقاط النظام ومن هذا الجانب يتجلى العمى الاستخباري والسياسي المزمن الذي تواجهه اسرائيل  يمكن وصفه بالصدمة  لدى النخب الغربية  يعتقد لبيد أن الضغط الاقتصادي سيؤدي إلى انتفاضة شعبية تطيح بالحكومة في طهران. 

هذا التحليل يتجاهل بغباء حقيقة أن العدوان الخارجي على إيران، كما أثبتت حرب الثماني سنوات، يزيد من التماسك الوطني حول النظام لا العكس.
محاولة إسقاط النظام في طهران عبر التجويع والقصف هي محاولة لإعادة إنتاج سايكس بيكو بأدوات القرن الحادي والعشرين. مقاومة غزة والضفة وجنوب لبنان أظهرت أن "قواعد الاشتباك" تغيرت، وأن زمن الحروب الخاطفة التي تحسم مستقبل المنطقة من خلف الأبواب المغلقة قد ولى.

5. خاتمة: أزمة المشروع الصهيوني كأزمة شرعية وجود
عندما يعلن لبيد أن "نتنياهو فقد صوابه" وأننا نعيش "انهياراً استراتيجياً"، فهو يصف العَرَض وليس المرض  المشروع الصهيوني منذ نشأته مبني على إرادة القوة من خلال الإبادة والاقتلاع. لقد نجح هذا النموذج مؤقتاً في إدارة صراع مع أنظمة عربية ضعيفة ومفككة لكنه يصطدم اليوم بحركات مقاومة شعبية عابرة للحدود تمتلك قدرة على الصمود وإدارة المعركة طويلة الأمد.

خطاب لبيد هو اعتراف بأن "الردع الإسرائيلي" قد تبخر  لكن البديل الذي يقدمه ليس السلام القائم على إنهاء الاحتلال، بل المزيد من القوة العسكرية الموجهة ضد "الرأس" في طهران  هذا ليس بديلاً بل هو قفزة إلى الهاوية نفسها ولكن بسرعة أكبر.

هزيمة إسرائيل التي تكشفها كلمات لبيد ليست هزيمة عسكرية بحتة بل هزيمة النموذج الاستعماري الاستيطاني في إدارة الزمن. الزمن الذي يعمل لصالح الشعوب المتمسكة بحقها في الوجود والحرية، وليس لصالح كيان يعيش في جيب زمني معزول عن وقائع العصر، محمياً فقط بفتات القوة الأمريكية المتراجعة.