بؤرة رعوية تغيّر ملامح قرية تياسير… الأرض تضيق والخوف يتمدّد

الرسالة نت - متابعة

 


أُقيمت بؤرة استيطانية رعوية جديدة بين تياسير وقرية العقبة شرق طوباس، في خطوة أدخلت المنطقة سريعًا في حالة من التوتر الميداني المتصاعد، مع تسجيل تقييد متزايد لوصول الأهالي إلى أراضيهم الزراعية ووقوع اعتداءات متكررة بحق الرعاة والمزارعين.

لم تحتج البؤرة أكثر من أيام لتفرض حضورها. خيام متناثرة على تلة قريبة، وقطعان ماشية تتحرك في مساحات كانت حتى وقت قريب جزءًا من الحياة اليومية للسكان. شيئًا فشيئًا، بدأت تلك المساحات تنكمش في وعي أهل القرية قبل أن تنكمش على الأرض.

يقول أحد المزارعين وهو يشير إلى أرضه الممتدة خلف التلة: "كنا نصل إليها خلال دقائق، اليوم نفكر طويلًا قبل أن نخطو نحوها". لم تُغلق الطرق رسميًا، لكن وجود المستوطنين في محيط المراعي جعل الوصول محفوفًا بالخطر، خصوصًا في ساعات الصباح الأولى التي كانت تُعد ذروة العمل الزراعي.

في الأغوار الشمالية، يتكرر هذا المشهد بنمط يكاد يكون ثابتًا: تبدأ السيطرة بخيمة، يتبعها قطيع، ثم تتحول المساحات المحيطة تدريجيًا إلى مناطق يُمنع الاقتراب منها فعليًا، حتى دون إعلان رسمي. ومع مرور الوقت، تصبح الأرض خارج الاستخدام، لا بقرار مكتوب، بل بواقع مفروض.

هذا النمط، كما يوضح الخبير في شؤون الاستيطان خليل التفكجي، لا يأتي صدفة، بل هو “أداة سريعة للسيطرة على الأرض دون إجراءات رسمية، لكنها تفرض واقعًا فعليًا خلال وقت قصير”، مشيرًا إلى أن استهداف المناطق المفتوحة مثل الأغوار يتيح السيطرة على مساحات واسعة بأقل كلفة ممكنة.

ولا تبدو هذه الشهادة بعيدة عما توثقه منظمة بتسيلم، التي تشير إلى أن البؤر الرعوية تحولت إلى وسيلة مركزية للسيطرة، يترافق معها عنف ممنهج لمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، بما يجعل الخوف نفسه أداة من أدوات السيطرة.

أم محمد، وهي من سكان المنطقة، تقول إن الخوف  أصبح جزءً من تفاصيل اليوم. "نخرج إلى الأرض، لكننا نراقب كل حركة. لم نعد نذهب لنزرع فقط، بل لنحمي أنفسنا". تضيف أن الأطفال أنفسهم باتوا يدركون حدودًا غير مرئية، يعرفون أين يمكنهم السير وأين يجب أن يتوقفوا.

الرعاة، الذين يعتمدون على المراعي المفتوحة كمصدر رزق أساسي، وجدوا أنفسهم أمام خيارات محدودة. بعضهم اضطر لتقليص حركة القطعان، وآخرون امتنعوا عن الوصول إلى مناطق كانت تشكل جزءًا أساسيًا من دورة الرعي. ومع كل يوم يمر، تتسع المسافة بين الإنسان وأرضه، ليس بالجغرافيا فقط، بل بالخوف أيضًا.
وفي توصيف أوسع، ترى هيومن رايتس ووتش أن مثل هذه الممارسات تندرج ضمن سياسات تضغط على السكان لدفعهم إلى الرحيل، عبر تقييد سبل العيش وتقويض القدرة على الاستمرار.

 كما يوثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية تصاعد اعتداءات المستوطنين في الأغوار، رابطًا بين إقامة البؤر الجديدة وارتفاع وتيرة العنف في محيطها.
في تياسير، لا يبدو التغيير صاخبًا. لا جرافات ولا قرارات معلنة، بل تحولات هادئة وثقيلة. الأرض التي كانت مفتوحة، لم تعد كذلك. والطرق التي كانت مألوفة، صارت تحتاج إلى حسابات جديدة. هكذا، تتغير القرية تدريجيًا، تحت ظل بؤرة صغيرة في ظاهرها، كبيرة في أثرها.