كان مساء لن ينساه محمد أبو معلى؛ حين لمح جسماً صغيرًا قرب منزله. لم يكن أكبر من قبضة يده، غريب الشكل، صامتًا كأنه حجر، لكنه لم يكن حجرًا. حمله محمد بدافع الفضول، كما يفعل أي طفل، وأدخله إلى البيت. لم يكن يعرف أن تلك اللحظة ستقسم حياته إلى نصفين: بعد ساعات، انفجر الجسم بين يديه.
في لحظة واحدة، خسر محمد قدمه وكفّ يده بالكامل. تحوّل جسده الصغير إلى ساحة ألم، وتحولت غرفته إلى مكان إسعاف، وصراخ، وركضٍ لا ينتهي. منذ ذلك اليوم، لم يعد محمد يركض أو يقف كما كان. صار يتحرك بقدم واحدة، ويجلس على كرسي متحرك، يتعلّم كيف يعيد ترتيب تفاصيل حياته، وهو لم يتجاوز طفولته بعد.
محمد ليس مجرد طفل أصيب. هو طفل فقد أيضًا والدته قبل أشهر قليلة من ذلك الانفجار. رحلت شهيدة، تاركة خلفها فراغًا لا يُملأ، ثم جاء الانفجار ليُضاعف الفقد. لم يعد في حياته ما يشبهها، ولا ما يشبه الأيام التي كانت تمسح فيها على رأسه وتربط حذاءه وتقول له: “اذهب والعب”.
اليوم، يجلس محمد قرب نافذة بيته، يراقب الأطفال في الخارج. كرة القدم تمرّ بينهم، تتقاذفها أقدامهم الصغيرة، يركضون، يضحكون، يسقطون، ثم ينهضون. يبتسم محمد قليلًا… ثم يصمت. هو لا يستطيع أن يركض خلف الكرة، لكنه يشتهي ذلك، يشتهيه كما يشتهي طفلٌ عادي أبسط حقوقه.
يقول والده بصوتٍ مثقل: “مهما فعلت له، لن أستطيع أن أعوّضه. هو لا يحتاج فقط إلى علاج… هو يحتاج أمه”. يتوقف قليلًا، ثم يضيف: “في كل مرة يعجز فيها عن القيام بشيء بسيط، أتذكر كم كان وجودها مهمًا… وكم أصبح غيابها موجعًا الآن”.
محمد واحد من عشرات الأطفال مبتوري الأطراف، الذين تركت مخلفات الحرب أجسادهم ناقصة، وأيامهم أثقل مما يحتمل العمر. أطفال فقدوا أطرافهم، وبعضهم فقد أحد والديه أو كليهما، ليجدوا أنفسهم في مواجهة حياة قاسية، تبدأ من جديد… ولكن بشروط أصعب.
في غزة، ربما تبدأ الحكاية عند لحظة الانفجار. ومحاولات التكيّف مع الألم، الوقوف مجددًا، من البحث عن معنى لطفولة سُلبت منها أبسط ملامحها. ومحمد، مثل غيره، لا يطلب الكثير…
لكن الأرقام تتحدث عن مأساة أكبر؛ فتقديرات اليونيسف تشير إلى أن أكثر من 12 ألف طفل أُصيبوا منذ بداية الحرب، بمعدل يقارب 70 طفلًا يوميًا، فيما تؤكد تقارير وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أن غزة باتت تضم أعلى نسبة من الأطفال مبتوري الأطراف في العالم. وفي كل يوم، يُضاف أطفال جدد إلى هذه القائمة؛ بعضهم فقد ساقه، وآخر يده، وآخر حياته كاملة.
كثير من هؤلاء لم يُصابوا أثناء القصف، بل بعده. أجسام صغيرة غريبة، تشبه الألعاب أحيانًا، تظل بين الركام، في الأزقة، قرب البيوت. يلتقطها الأطفال ببراءة، كما فعل محمد، لتنفجر لاحقًا وتترك وراءها أجسادًا مبتورة وطفولة ناقصة.