“خيمة الوطن ولا قصر الغربة”… غزيون عالقون في مصر يتشبثون بحق العودة إلى غزة

الرسالة نت - خاص

في الغربة، لا يُقاس الحنين بالمسافة، بل بثقل الغياب. على أرصفة الانتظار في مصر، يعيش آلاف الغزيين العالقين حالة معقدة من النجاة المؤقتة والاقتلاع القاسي؛ أجسادهم هنا، لكن أرواحهم لا تزال معلّقة هناك، في غزة، حيث البيوت التي قد تكون دُمّرت، لكنها ما زالت قائمة في الذاكرة.
لم يكن السفر خيارًا سهلًا لهؤلاء، بل اضطرارًا فرضته ظروف النزوح المتكرر وانعدام الأمان. تقول “سامية” (اسم مستعار): “السفر ما كان سهل.. اضطررنا نطلع بسبب كثرة النزوح وعدم وجود مكان آمن. لكن طول الوقت، عقلي وروحي بغزة… أنا جسدي بمصر، بس كل تفاصيلي هناك”. وتصف حالة الانفصال التي تعيشها قائلة: “وقت المجاعة في غزة، بوقف أكل… بحاول أعيش نفس اللي بيعيشوه أهلي. الغربة مليانة نعم، بس الوطن غير بكل شيء”.
هذا الشعور لا يتوقف عند حدود الحنين، بل يتحول إلى معاناة يومية تتجلى في تفاصيل الحياة الصغيرة، وفي الإحساس العميق بالعجز. فالكثير من العائلات التي نجت من الحرب، تجد نفسها اليوم أمام تحديات جديدة في الخارج، أبرزها صعوبة تأمين التعليم والعمل.
“أماني”، وهي أم لخمسة أطفال، دفعت مع زوجها نحو 18 ألف دولار لتأمين خروجها من غزة عبر تنسيق خاص. ورغم استقرارها المؤقت في مصر، قررت العودة إلى القطاع، رغم أن منزلها دُمّر بالكامل، وزوجها يقيم حاليًا في خيمة. تقول: “مش مهم الخيمة… المهم نكون مع بعض. الأولاد لازم يتعلموا، وهون التعليم صعب، والأونلاين ما نفع”.
وتختصر عبارتها “خيمة الوطن ولا قصر بالغربة” شعور آلاف الغزيين، الذين يرون في العودة أكثر من مجرد انتقال جغرافي؛ إنها استعادة للانتماء والهوية، ورسالة تمسك بالأرض رغم كل شيء.
قصة “تامر” (اسم مستعار) تكشف جانبًا آخر من هذه الحكاية. فالفنان الشاب وجد نفسه عالقًا في مصر بالصدفة، بعدما ذهب لتوديع أقاربه عند المعبر، قبل أن تداهم الدبابات المنطقة ويُمنع من العودة. بقي هناك قرابة عامين، رافضًا عروضًا للسفر إلى أوروبا، متمسكًا بحلمه الوحيد: العودة إلى غزة.
طوال فترة بقائه، لم ينقطع أمله. كان يتوجه مرارًا إلى مدينة العريش كلما سمع إشاعة عن فتح المعبر، ينتظر لساعات، ثم يعود إلى القاهرة بخيبة أمل جديدة. ورغم ذلك، كان يشتري لبناته الملابس والأحذية، وكأنه على موعد قريب مع العودة.
وحين فُتح المعبر أخيرًا، كان من بين أوائل العائدين. اليوم، لا يبالي بصعوبة الحياة في غزة، يقف في طوابير المياه والتكايا، لكنه يشعر أنه استعاد مكانه الطبيعي. فبالنسبة له، كما لغيره، لا شيء يعوّض الوطن.
وتعكس الأرقام الرسمية حجم هذه المأساة الممتدة. فقد كشف المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن عدد المسافرين من القطاع منذ بداية الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023 بلغ نحو 120 ألف مواطن، بينهم قرابة 80 ألفًا عالقون في مصر بانتظار السماح لهم بالعودة، فيما يتوزع نحو 40 ألفًا آخرين على 19 دولة حول العالم لأسباب مؤقتة.
وبحسب المكتب، فإن من بين هؤلاء نحو 12 ألفًا و450 مريضًا ومرافقيهم غادروا لتلقي العلاج، إضافة إلى 8 آلاف و300 من حملة الجنسيات الأجنبية الذين خرجوا بترتيبات خاصة، فضلًا عن آلاف الطلبة الذين اضطروا للسفر لاستكمال دراستهم في الخارج. وهي أرقام تعكس أن الخروج من غزة لم يكن خيارًا فرديًا، بل مسارًا قسريًا فرضته ظروف الحرب.
مؤخرًا، أعادت خطوة فتح المعبر جزئيًا الأمل لآلاف العالقين، إذ بدأت بعودة أعداد محدودة من المرضى، قبل أن ترتفع تدريجيًا إلى أكثر من 100 عائد يوميًا، مع توقعات بزيادة الأعداد. ورغم ما يواجهه العائدون من إجراءات معقدة وصعوبات على المعبر، فإن ذلك لم يثنِهم عن قرار العودة.
بالنسبة لهؤلاء، العودة ليست مجرد رحلة عبور، بل فعل تحدٍّ وإصرار، ودليل حي على التمسك بالأرض. 
في عيونهم، لا تبدو غزة مجرد مدينة، بل كيان كامل يسكنهم؛ ذاكرة جماعية، وهوية راسخة، وجذر لا يمكن اقتلاعه. قد تكون الشوارع تغيّرت، والبيوت أصبحت ركامًا، لكن الحنين إليها لا يزال أقوى من كل الظروف.
لأن العودة، بالنسبة لهم، ليست خيارًا… بل قدر.