أم يوسف الدحدوح… هكذا تتحول الأم إلى وطنٍ كامل

الرسالة نت- خاص

في زاوية ضيقة من مخيم نزوح في حي تل الهوى، تجلس أم يوسف الدحدوح على أرضية خيمتها، محاطة بأحفادها، تحاول أن تُخفي تعبها خلف تفاصيل يومٍ ثقيل لا يشبه الحياة التي كانت تعرفها.

قبل الحرب، كانت الحياة أكثر بساطة: بيت يجمع العائلة، وزوج يشاركها تفاصيل الأيام، وأبناء يملؤون المكان حركة وصوتاً. لكن كل ذلك تبدد دفعة واحدة. استُشهد زوجها، وأحد أبنائها، فيما يقبع ثلاثة من أبنائها في الأسر، لتجد نفسها فجأة أمام مسؤولية لا يمكن تأجيلها.

لم تمنحها الحياة وقتاً للحزن. تقول لمن حولها إن البكاء مؤجل، لأن هناك أطفالاً يحتاجون إلى الطعام، وخيمة تحتاج إلى من يحوّلها إلى بيت، مهما كان هشّاً. في تلك اللحظة، لم تعد مجرد أم، بل أصبحت المعيلة، والحاضنة، والسند الوحيد لعائلة كاملة.

تتحدث أم يوسف عن أبنائها الثلاثة المعتقلين—محمود الدحدوح، وعلاء، وضياء—وتقول إن أخبارهم تصلها متقطعة، ينقلها لها أسرى مفرج عنهم. “واحد بيقول قابلت علاء، والثاني بيقول شفت محمود”، تقولها وهي تتشبث بكل تفصيل صغير كأنه حياة كاملة.

تستعيد تفاصيل الأيام التي سبقت اعتقالهم، حين كان علاء وضياء يستعدان لحياتهما الجديدة، مرتبطين حديثاً، وكانت العائلة تُحضّر لعرسيهما. “كنا بدنا نفرح فيهم”، تضيف، قبل أن ينقطع المشهد فجأة مع اقتحام جنود الاحتلال لأحد المدارس التي كانت العائلة نازحة فيها، واعتقال الأبناء الثلاثة.

اليوم، لا تطلب الكثير. تقول بصوت مثقل: “أحياناً بقول لو واحد منهم بس يطلع… لو محمود”، مشيرة إلى أنه أب لأربعة أطفال لا تستطيع رعايتهم كما يجب. تشعر بثقل المسؤولية وهي تحاول أن تكون أماً وجدة ومعيلة في آنٍ واحد، رغم تقدمها في العمر.

داخل الخيمة، تختلط الأدوار؛ فهي زوجة شهيد، وأم شهيد، وأم لثلاثة أسرى، وجدة لأطفال ينتظرون آباءهم. ومع كل يوم يمر، تتحول المسؤولية إلى عبء أثقل، بينما يبقى الانتظار هو الثابت الوحيد في حياتها.

ورغم ذلك، تحاول أن تحافظ على ما تبقى من شكل الحياة. ترتب الأغطية، توزع الطعام القليل بعدل، وتراقب وجوه الأطفال وكأنها تحرس ما تبقى من العائلة من الانهيار.

قصة أم يوسف الدحدوح لا تختصر في فقدان واحد، بل في سلسلة متواصلة من الغياب: زوج لن يعود، وابن استُشهد، وأبناء خلف القضبان، وبيت أصبح ذكرى. ومع ذلك، تستمر في الوقوف.

في غزة، حيث تختصر الخيمة حكايات مدن كاملة، تتحول أم يوسف إلى ما هو أكثر من أم… تتحول إلى وطن صغير يحاول أن يبقى قائماً، رغم كل ما حوله من انهيار، منتظرة لحظة واحدة فقط: أن يفتح باب السجن، ويعود أبناؤها.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير