منحرفون جلبوا العار لأسرهم

البطن قلابة.. تنجب الملاك والعاصي

الرسالة نت - أمينة زيارة

اتخذت "أم محمد" في السبعينيات من عمرها عتبة البيت مجلساً لها تنتظر "سيارة الشرطة" التي لا تنفك تطرق بابها بحثا عن نجلها "رمضان"، الذي امتهن السرقة والمتاجرة غير المشروعة بالمواد المخدرة رغم أنه في العشرينيات من عمره.

دقائق مرت حتى وصل ضابط أمن ترجل من سيارته وألقى التحية، وسألها: "أين رمضان؟ طال انتظارنا ولم يأت كما وعدتم" ، أقسمت العجوز أنها لم تره منذ عشرة أيام، وبدأت تصب سيلا من الدعوات على ابنها العاصي الذي جلب العار لأسرتها.

وتقول أم محمد "للرسالة نت" وهي تضرب أخماسا بأسداس: "سبحان الله البطن قلابة بتجيب الشوك والورد والملاك والشرير"، مضيفة : رغم أنه تحمل مسؤولية شقيقاته منذ وفاة والده، كما يحبه كل من عاشره وعرفه، إلا أنه أصبح الآن مصيبتي بالدنيا، وهو ابتلاء من رب العالمين، وهذا بسبب الدلال والمال الذي لم ينقطع من يده.

وأضافت: الصحبة السيئة علمته التدخين و"المشي البطال" والعلاقات المشبوهة، فقد توفي والده وكنت أنا الأم وشقيقه الأب، متابعة: سعينا بمساندة المختار وأبناء العائلة لتقويم سلوكه لكن دون جدوى، لذا أصبحت "المباحث العامة" ضيفنا الدائم.

ملاك وشرير

أما "باسل"30" عاما الذي نشأ في أسرة فقيرة أفرادها أحد عشر لا تتسع ساحة البيت لاحتضانهم، ولم يستطع الوالد الإيفاء بمتطلباتهم، ومع قلة المال كثرت المشاكل الزوجية، فالأم تقضي اغلب أيامها في بيت أهلها والأب خارج البيت يبحث عن وسيلة ليجلب لأبنائه لقمة العيش بعيداً عن النكد الزوجي.

وأضافت ودموعها تسبق كلماتها على الحسرة التي تتجرعها العائلة جراء ضياع ابنها: وجد "باسل" نفسه وحيداً بلا أم أو أب يتابع ويراقب، فلجأ إلى أحضان الأصدقاء أشباه الغربان والثعابين التي تبث السموم وتنعق بالشر، الذين دلوه على الطرق المشبوهة لجلب المال، أولها كانت "السرقة ومن ثم تطورت إلى البلطجة حتى انتهت بالشروع في القتل".

والدته التي ألم بها المرض منذ مكوث ابنها في السجن تعترف أن أبنائها كانوا ضحية التفكك الأسري، وتركهم وحيدين يأكلهم الضعف والهوان، حسب وصفها.

تسترق الحاجة "أم محمد" ابتسامة من بين سيل الدموع لتقول: الله يذكرك بالخير يا "وائل" كان منبع الحنان لأخوته، فقد توقف عن الدراسة لسنوات كي يعمل لتوفير المال، وتجميع أوصال الأسرة، فمن يشاهده لا يصدق بأنه شقيق "باسل القاتل".

ورغم السمعة السيئة التي تركها "القاتل" في العائلة وأثرت على حياة "وائل" الأسرية والعملية إلا أن مديره تمسك به أكثر لأنه محط للأمانة والثقة بخلاف "باسل".

ما هي إلا دقائق حتى جاء شاب ذو لحية منمقة تنم عن احترام ووقار. تتسع ابتسامة "أم وائل" بمجرد رؤية القادم الذي أدخل السرور إلى قبلها، وتسبقها كلمات الحب: هذا وائل "ابن الحلال عند ذكره ببان، وبيجي على السيرة الطيبة"، وأخذ يقبل يدها ورأسها براً بها، ليظهر الفارق الكبير في الشخصية والسمعة بين ملاك العائلة "وائل" وشريرها "باسل".  

محاكاة وتقليد

ويشير د. سليمان المزين رئيس قسم أصول التربية بالجامعة الإسلامية إلى أن الأسرة هي المصدر الأول للطفل يستقي منها سلوكياته الايجابية والسلبية، وعندما يذهب للروضة يتعود  سلوكيات سلبية منها الضرب والعنف مع إخوانه الأصغر سناً وسرقة حاجيات الآخرين وإتلاف الأثاث المنزلي، وكذلك الكذب على الأم ومن تلك المظاهر السلبية الكثير التي تلمسها الأسرة بعد عودته من الروضة.

ويتطرق إلى المميزات التي تمنح للطفل الأول وعن الأخير فيقول: الطفل الأول يكون تحت السيطرة وحجم الهيمنة الأسرية عليه كبير وغالباً يكون أكثر هدوءاً وعقلانية واتزانا من أخيه الأصغر، أما الأخير فهو يجد فرصة أكبر لدلال الوالدين تختفي على إثره ضوابط وكوابح لسلوكيات الطفل الذي يجد أمامه فرصة ليتمادى في بعض الممارسات مع شعوره بالأمان للإفلات من عقاب أو متابعة الوالدين.

ويؤكد المزين على حق الطفل في أن يدلل ولكن استمراره يعتبر مشكلة ويؤثر على شخصيته وسلوكياته ، وفي القول المأثور:" لاعب ابنك سبعاً، وأدبه سبعاً، وصاحبه سبعاً، ثم اترك له الحبل على الغارب".

تضارب سلوكيات

وعن دور البيئة الخارجية "الأصدقاء والأخلاء" في التأثير على سلوكيات الأبناء فيرى د. المزين أن هناك تناقضا كبيرا يحدث لدى المراهق بين التربية الأسرية المنضبطة وبين السلوكيات التي يستقيها من الأصدقاء لتتغلب سلوكيات الأصدقاء التي يجد فيها نوعاً من الحرية.

ويتابع: يجد المراهق التوافق النفسي بينه وبين أصدقائه فهم يعيشون حياة أكثر حرية لكنهم في النهاية مصدر الخلافات والضياع، مصداقا لقوله تعالى: "الأخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ"، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخَالِل".

وحول استخدام الأسر لأسلوب الطرد والإبعاد عن الأسرة بحق الابن العاصي يوضح د. المزين أن أسلوب الطرد والإقصاء من أقسى أنواع الأساليب بالنسبة للطفل، فإذا حرم الابن من التربية الأسرية والحياة في محضن الوالدين بسبب الوفاة أو السجن أو حتى الانفصال فيظهر ذلك على نمط شخصيته.

ورفض المزين تعمد الوالدين إقصاء الطفل وطرده كأسلوب عقابي بهدف تعديل السلوك، متطرقاً إلى أساليب تعديل سلوك الأبناء التي تتضمن إبعاد الابن عن أصدقاء السوء والمتابعة والمراقبة والتوجيه والإرشاد وتقديم النصح حتى لا يبقى تحت سيطرة الآخرين ويحصل ما لا تحمد عقباه.

وعن آليات معالجة سلوكيات الأبناء السيئة يؤكد د. المزين على دور الأسرة الأساسي والتي بحاجة إلى اعتماد أسلوب الملاطفة مع الأبناء بالكلمة والمعاملة واللين والرفق، إضافة إلى الثناء على الطفل بشكل دائم وعدم التشهير بأخطائه ومتابعة السلوكيات ومعرفة الأصدقاء.

ويختم بقوله: دور الأسرة لا ينتهي بخروجه إلى المدرسة أو المسجد لأنها المحضن الأول والأخير للطفل وعليها فلترة هذه السلوكيات التي يأتي بها من الخارج ومتابعته بشكل دقيق.