مقابل 20 شيكل!

الطفل أحمد.. حارس ليل ونهار في منطقة مرعبة

غزة-ميرفت عوف-الرسالة نت

إذا ما أرسلت طفلك ليلا لجلب غرض ما بعيدا عنك وأنت في البيت فغالبا ما سيمنعه الخوف من تلبية الطلب.. وهذه عادة الأطفال التي نعرفها جميعا، ولكن الطفل أحمد –12 عاما- مختلف تماما عن هذه النماذج، فهو موجود وحده في مكان قريب من الحدود الشمالية لقطاع غزة مع المحتل؛ ليمارس مهنة "الحراسة" لأرض مزروعة بالبطيخ والذرة، بل إنه يستهزأ بسؤال "هل تخاف"، ويرد: ماذا سيحدث لي؟.

هنا السماء غطاؤه وأيضا قطعة قماش أطلق عليها لفظ "خيمة"، والأرض فراشه برملها الحار نهارا والبارد ليلا.. البحر وحده يؤنسه بأمواجه المتلاحقة الهائجة أو الهادئة.. لقد كنا معه في "عز الضحى" لكن الأجواء مخيفة فعلا لسبب خلو المكان من العمران والناس وقربه من قوات الاحتلال.

في خيمة أحمد يوجد فتات من الخبر و"طبيخ الكوسا" الذي عليه أن يأكله طوال يومه، وفي بيته أحيانا كثيرة لا يوجد سوى "البندورة والزيتون" كما يقول، وهذا يعني أن العشرين شيكل التي سيحصل عليها مقابل عمل الليل والنهار ستمنح أسرته وجبة طعام متواضعة.. أحمد لا يريد أن نلوم أسرته التي ألقت به إلى هذا العمل القاسي.. ويبرر ذلك بمرض والده وهي عادة الأطفال في خلق الأعذار.

الآن يعمل "أحمد" حارسا، وربما كانت هذه المهنة هينة؛ فالأصعب كان يقوم به أحمد قبل أيام عندما كان يقود حصانا قويا ويذهب به بالقرب من السياج الحدودي ليجمع "الحصمة" ويبيعها ليسد رمق أهله، وما يزال هذا الطفل يصر على إبداء شجاعته فهو لا يهاب لما أصاب الكثير من الفتية والأطفال على الحدود من إصابات خطرة ومميتة أحيانا، فابن عمه "أدهم" ما زال مصابا في قدمه جراء طلق ناري إسرائيلي.. يشفق أحمد عليه كثيرا لكنه لا يتراجع عن العمل..

يقول لي أحمد إن الفقر أخرجه من بيته لهذا العمل الشاق، ورغم خوف أمه الشديد عليه فإنها لا تستطيع منعه لحاجتهم للمال الذي يجمعه من أجل أهله، وقبل أن نغادر المكان جاء صاحب المزرعة يتفقد أرضه، ثم أتى ليلوم الصغير أحمد ويحمله مسؤولية الغربان التي نقرت عشر "بطيخات" ولينبهه على تركيز أكثر على "الذرة " فيما يبدو لأنها لمالك آخر غيره!!..

يحلم أحمد بأن يكبر ويصبح رجلا ويبني بيتا مستقلا، ويأمل ألا تتكرر التجربة مع أبنائه فيعيشون طفولتهم بعيدا عن العمل القاسي والخطر وعن المسؤولية قبل الأوان، ونحن نسأل الله الكريم أن يغير الحال لحياة أفضل لهؤلاء جميعا..