"هشارون" عالم من المعاناة والخوف..!

الرسالة نت - محمد بلّور                          

لم أكن أتخيل أن "الأنوثة" تغتال خمسة وعشرين مرة في اليوم داخل زنازين وحجرات سجن (هشارون الإسرائيلي).

نصطحبكم في جولة حيث تقبع الأسيرات في قسم 11 داخل حجرات وزنازين عفنة وهن محرومات من الالتقاء بالأطباء والحصول على الرعاية.

لطالما شكل اسم (هشارون) قصة معاناة لفتيات وأمهات فلسطينيات انفرد بهن السجان الإسرائيلي فكرر اعتداءه عليهن أمام عجز الآخرين.

الحكايات الواردة من السجن نقلت معاناتهن من التفتيش العاري والضرب المبرح بينما أجبر بعضهن على الولادة وهي مقيدة وحرمت أخريات من احتضان أطفالهن أو زيارة ذويهن.

مصلحة السجون

وتقبع الأسيرات الفلسطينيات داخل سجني "هشارون" و" الدامون"،  وفيهما يتعرضن لذات المعاناة ويعشن ذات الظروف التي يعيشها بقية الأسرى في كافة السجون.

وأكد الباحث في شئون الأسرى عبد الناصر فروانة  أن "هشارون" نسخة مكررة عن بقية السجون "الإسرائيلية".

 وأضاف لـ"الرسالة نت" :" اللافت أن فيه أسيرات أمهات وزوجات وبعضهن لهن أشقاء أو أزواج أسرى وهم عادة ممنوعون من الزيارة واللقاء بهم" .

وأشار إلى أن إدارة السجن تمنع الأسيرات من احتضان أطفالهن خلال الزيارة التي تبدأ وتنتهي بسلسلة معيقات.

وتابع:" لدينا الأسيرة وفاء البس ممنوعة من الزيارة منذ سنتين وأحلام التميمي ممنوعة من الزيارة والاتصال بأهلها وذويها".

واستهجن انحياز القضاء "الإسرائيلي" الذي يصف نفسه بالمستقل مضيفاً:" عندما تثار قضية عبر المؤسسات عن معاناة الأسيرات تجد القضاء منحازا لصالح السجان!".

وقالت محامية مهتمة بشئون الأسيرات -رفضت الكشف عن اسمها- إن السجن عمره 63 سنة ويقبع في مكان منخفض تحت الأرض.

وأضافت لـ"الرسالة نت": "كنت في زيارة لهن قبل أيام وأكثر ما يعانين منه هو حرمانهن من مقابلة الطبيب ومنعهن من الزيارات ونحن نعاني خلال محاولتنا الالتقاء بهن خاصة لأننا نقابل أسيرات يسمونهن أمنيات".

الحياة في قبر

يلازم ضيوف ثقيلو الظل الحجرات المتعفنة والزنازين الباردة في سجن "هشارون".

 وأكدت الأسيرة المحررة إسراء عمارنة أنها أمضت فترة حكمها في هذا السجن وسط حجرات ملؤها الحشرات الزاحفة والجرذان.

 وأضافت:" عشت مع الأسيرات في حجرات بلاطها مليء بالصراصير والجرذان داخل حجرات رطبة ومعدومة التهوية لا تدخلها الشمس".

ويشكل وجود السجناء الجنائيين الإسرائيليين في قسم مقابل الأسيرات الفلسطينيات هاجسا لكافة الأسيرات.

وأوضحت أن إدارة السجن تحتجز الأسيرات طوال 24 ساعة في اليوم ولا تتركهن للخروج من الحجرات سوى لثلاث ساعات وأحيانا أقل.

وتابعت:" أصعب شيء عندما يتعمدون إخراجنا لفترة الاستراحة ثم يفاجئونا بالتفتيش ثم يتعمدون أهانتنا كي يحرمونا من تلك الساعات".

أما طعام السجن حسب عمارنة فهو غير نظيف تطفو الزيوت على كافة أطباقه بينما تتعمد إدارة السجن حرمان الأسيرات من "الكانتينا".

ذاكرة الألم

هناك مشاهد قاسية تعلق بالذاكرة- طبعا لمن أراد-أهمها في تاريخ الحركة الأسيرة ما وقع مع الأسيرة المحررة سمر صبيح حين وضعت طفلها وهي مقيدة بالأغلال.

النبش في ذاكرة صبيح يشبه تماما استذكار كافة لحظات الألم والمعاناة التي عاشتها في ساعة واحدة.

وأكدت صبيح لـ"الرسالة نت" إن إدارة هشارون أبقت على قيودها خلال الولادة القيصرية ما سبب لها آلاما نفسية وجسدية هائلة لا تزال تشعر بها حتى اليوم.

وقالت إن سجن "هشارون" الذي سجنت فيه كان اصطبلا قديما للخيول ثم أصبح سجنا.

وأضافت:" الأسيرات موزعات على أربع حجرات تضم كل حجرة خمس أسيرات والبقية كل اثنتين في حجرة".

ولن تنسى صبيح كيف عاشت في حجرات يتسلق العفن على جدرانها ما تسبب بإصابة الأسيرات بالروماتيزم ومشاكل الرطوبة.

وتابعت:" لك أن تتخيل غرفة عفنة لها نافذة صغيرة مغطاة بالشبك وخلفه قطعة من الحديد تمنع دخول الشمس والهواء فالحرارة غير طبيعية صيفا والبرد قارس شتاء".

أصعب أيام

يبسط الهلع من "التفتيش العاري" أذرعته على أسيرات هشارون في كل نهار وليلة خشية مما تصنع السجانات الإسرائيليات.

وقالت المحررة: إن "التفتيش العاري" هو أكثر ما يزعج الأسيرات إضافة إلى المداهمات والتفتيش الليلي.

وأضافت:" يقتحمون الغرف ليلا بحجة التفتيش والعدّ فيعبثون بحاجياتنا ويصادرون الرسائل والمقتنيات الخاصة".

وتعتبر صبيح قضية العزل الانفرادي من أشد مظاهر المعاناة وقد وقعت بحق الكثير منهن وأشهرها ما وقع مع الأسيرة أحلام التميمي وتكرر مؤخرا.

كما عايشت اعتداء الجنود على الأسيرات بالضرب وإطلاق الغاز السام الأمر الذي شكل في إحدى المرات خطرا على حياة رضيعها "براء".

ليلة مرعبة

كانت ليلة مرعبة لن تغادر ذاكرة الأسيرة المحررة عمارنة تلك التي شن فيها السجانون هجوما على الأسرى الأشبال وانهالوا عليهم بالضرب.

عن تلك الليلة قالت :"لم نكن ندري سبب الهجوم لكنهم اقتحموا سجن الأشبال وانهالوا بالضرب على طفل عمره 14 سنة حتى تكسرت عظامه وتركوه دون علاج في العزل".

وتحاول عمارنة التخلص من ذكريات هشارون القاسية فتجد نفسها ضحية الذاكرة المتجددة التي تحمل الكثير المؤلم.

 أما المحررة صبيح فقد خرجت من نفس السجن قبل سنوات وبدأت تمارس حياتها بعد أن أبرمت عقدا معنويا للاهتمام بشئون أخواتها الأسيرات!.

سيّدة السجن

ويسمع العالم عن أسيرة اسمها أحلام التميمي محكومة بالسجن المؤبد 16 مرة داخل سجن هشارون.

وتعرضت التميمي قبل أسابيع للعزل بعد رفضها التفتيش العاري قبل زيارة المحامي ما دفعها للإضراب عن الطعام أكثر من 8 أيام.

وقالت المحررة عمارنة إنها استمدت من التميمي الجلد والصبر ما جعلها تصمد على قسوة الحياة في هشارون.

وأضافت:" علمتني الصبر وكانت تساعدنا على التغلب على مشاكل السجن ومعاناته اليومية التي كنا نعاني منها فهي قدوتنا وأختنا الكبيرة".

أما المحررة صبيح فتعتبر الأسيرة التميمي قدوتها حتى أنها أسمت توأميها اللذين وضعتهما قبل سنتين " أحلام وعز الدين"، متمنية أن تصبح أحلام الصغيرة كأحلام الأسيرة وعز الدين الصغير خلفا لعز الدين الاستشهادي الذي شن هجوما على مطعم "سبارو" بالقدس المحتلة قبل 10 سنين.